البث المباشر الراديو 9090
محمود بسيونى
قدمت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان فى تقريرها عن الإرهاب بسيناء، درسًا ‏مهمًا فى العمل الحقوقى الناضج المجرد عن الهوى، يمكن إدراك ذلك بسهولة من ‏النظرة الأولى على مقدمة التقرير، والذى يتضمن مجمل الاتفاقات الدولية المعنية ‏بمكافحة الإرهاب، بالإضافة إلى جزء توثيقى هام عن تاريخ الحركات الإرهابية فى ‏سيناء من واقع تحقيقات النيابة العامة، وهو ما يؤكد أنه عمل استمر لأشهر طويلة ‏بالتعاون مع أبناء سيناء مثل الشيخ عيسى الخرفين شيخ مشايخ سيناء وأحد ضحايا العمليات الإرهابية‏، والدكتور صلاح سلام، عضو المجلس القومى لحقوق ‏الإنسان،‏ وهو ما يضفى كثيرًا من المصداقية على ما ورد من معلومات يمكن الإرتكان ‏عليها عند الحكم على الوضع الحقوقى فى سيناء، سواء محليًا أو دوليًا، وذلك لأكثر من ‏سبب:

‏1- ‏انتصرت المنظمة المصرية لمهمتها الأصلية فى الدفاع عن حقوق ‏الإنسان وفق المعايير الدولية، فبخلاف أنها أقدم المؤسسات الحقوقية فى ‏الوطن العربى والعالم، وأن لها مدرسة خاصة فى كتابة التقارير الحقوقية، ‏إلا أنها قدمت فى ذلك التقرير شهادة حية بأسماء حقيقية تسرد واقع الحياة فى ‏شمال سيناء دون تهويل أو تزييف.

‏2- ‏أدانت المنظمة عصر حسنى مبارك، وقدمت تساؤلات عن أسباب ‏عزلة سيناء طيلة الأربعين سنة التى أعقبت توقيع اتفاقية كامب ديفيد، وكيف ‏نشأت وتشعبت الجماعات الإرهابية فى سيناء، دون أن تتم مواجهتها أمنيًا ‏وفكريًا‎ .‎

‏3- ‏عرى التقرير عام حكم الإخوان وكيف تحولت سيناء إلى قاعدة انطلاق ‏للجماعات الإرهابية، وكيف تم توظيفها لخدمة الإخوان مذكرًا ببيان رئاسة ‏الجمهورية الشهير الذى طالب قوات الأمن بحماية الخاطفين والمخطوفين فى ‏أعقاب عملية خطف تلك الجماعات لعدد من الجنود فى سيناء، وهو ما اعتبر ‏دعمًا مباشرًا من رأس النظام الإخوانى للجماعات الإرهابية فى سيناء‎ .‎

‏4-‏ قدم التقرير رصدًا دقيقًا وموثقًا بكل العمليات الإرهابية التى شهدتها ‏سيناء عقب إنهاء حكم الإخوان، وكيف رهنوا حياة أفراد الجيش وأهل سيناء مقابل عودتهم للسلطة، وكيف كانوا أول من عرّض حياة المدنيين ‏للخطر باعترافاتهم المسجلة فى اعتصام رابعة‎.

‏5-‏ لأول مرة تتحدث منظمة حقوقية مصرية عن إخلاء الشريط الحدودى ‏مع غزة بعمق لا يتجاوز 300 إلى 400 متر والذى يضم مجموعة من ‏المساكن تصل لنحو 600 منزل، ضمن عملية أمنية تستهدف تجفيف منابع ‏التهديد والسيطرة على الحدود بالإضافة إلى حماية المدنيين من خطر ‏الاشتباكات العسكرية وتقديم الدولة لتعويضات وفق استبيان تم توزيعه على ‏السكان، حيث طلب 65 % تعويضًا نقديًا، فى حين طلب 29% مبلغًا ‏نقديًا وقطعة أرض مناسبة، وطلب 2% شققًا سكنية بديلة توفرها الدولة، ‏واستجابت الدولة لطلبهم، وهى الرواية الصحيحة التى ترد على كذب قناة ‏الجزيرة وفبركات هيومان رايتس ووتش. ‎

‏6- ‏التزمت المنظمة بشهادات السكان الذين تم إخلاء منازلهم أو هربوا من ‏المعارك، بل وسردت حكاياتهم الإنسانية الصعبة ومعانتهم خلال الاشتباكات ‏الجارية، والتى ربما تنشر لأول مرة، مع ملاحظة أن التقرير تم تقديمه فى ‏مؤتمر صحفى داخل مصر، فى إشارة بالغة الدلالة على وجود انفتاح على ‏العمل الحقوقى الجاد‎.

‏7-‏أجابت الشهادات التى جمعتها المنظمة عن سؤال مهم وهو لماذا لا ‏تنتهى الحرب على الإرهاب بعد مرور كل تلك السنوات، وقال الأهالى إن ‏التنظيمات الإرهابية غير محددة المكان ويذوب أفرادها بين القبائل والسكان، ‏حيث يتواجدوا وسط السكان فى مناطق داخل وحول مدن رفح والشيخ زويد ‏والعريش وأيضًا يختبئوا فى الزراعات والأحراش، لذلك الإمساك بهم أو قتلهم ‏يعرض هذه القبائل وسكانها لمخاطر شديدة، لذلك فأنه يتم التعامل مع هذه ‏التنظيمات بحذر شديد حتى لا يصاب السكان المدنيون بأى أذى‎.‎

‏8-‏ أشارت الشهادات إلى ما تمثله طبيعة الأرض الجبلية فى سيناء من ‏صعوبة أخرى لتحصن التنظيمات الإرهابية بها كجبل الحلال الذى يقع فى ‏وسط سيناء وجنوب العريش، والذى يعد عنصرًا مشتركًا فى جميع العمليات ‏الإرهابية وسهوله هروب هذه العناصر من الجبل بسبب كثرة مداخله ‏ومخارجه ومغاراته‎ .‎

‏9- ‏قدم التقرير شهادة نجاح حقوقية للعملية العسكرية الشاملة (سيناء ‏‏2018) فى تدمير البنية التحتية للعناصر الإرهابية من الأوكار والخنادق ‏والأنفاق ومخازن الأسلحة والذخائر والعبوات الناسفة والاحتياجات الإدارية ‏والمراكز الإعلامية ومراكز الإرسال، وإلقاء القبض على أعداد كبيرة من ‏الأفراد ما بين عناصر إرهابية وداعمة للإرهاب أو مشتبه فيها بذلك، وهو ما ‏أدى لحدوث انخفاض كبير فى عدد العمليات الإرهابية فى سيناء خلال عام ‏‏2018 مقارنة مع الأعوام السابقة‎ .‎

ولم يفت التقرير أن يقدم توصيات للحكومة المصرية من واقع حياة الناس فى سيناء، ‏مثل العمل على استكمال خطط استصلاح الأراضى وتوطين المصريّين كوسيلة ‏للقضاء على الإرهاب فى هذه المنطقة الحدوديّة، وعودة العمل فى مشروع ترعة ‏السلام لاستصلاح 4 ملايين فدّان وإنشاء مدينة رفح الجديدة استجابةً لمطالب أهالى ‏الشريط الحدودى بمدينة رفح، بحيث تتضمن خدمات ومرافق حديثة، ومناطق ‏زراعية وصناعية، ونماذج سكنية تناسب البيئة الصحراوية، وإمكانية تعظيم ‏الاستفادة من هذه المدينة والتوسع مستقبلا فى إنشاء كليات تخصصية بها سواء فى ‏مجالات الطاقة أو الزراعة الحيوية وغيرها، والعمل على توفير احتياجات الأهالى ‏الإنسانية فى فترات حظر التجوال فى شمال سيناء، وتخفيف عدد ساعات الحظر مما ‏يتيح لهم ممارسة حياتهم اليومية بشكل طبيعى وممارسة أعمالهم وتجارتهم مع توفير ‏مصادر لحياة كريمة للأهالى الذين تم نقلهم من بيوتهم على الشريط الحدودى فى رفح ‏وهى طلبات مشروعة أتصور أنها ستجد صدى لدى الحكومة.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز