محمود بسيونى
معدلات الجريمة داخل تركيا تتزايد باستمرار مع حدة الأزمة الاقتصادية، وانهيار الليرة، وتصاعد الاستقطاب السياسى، وظهور علامته مع إعادة انتخابات بلدية إسطنبول، بعد فوز مرشح حزب الشعب الجمهورى، ما دفع وكالة عالمية مثل "فيتش" إلى وضع نظرة مستقبلية سيئة لمستقبل تركيا.
الأمور فى تركيا تتدهور على نحو غير مسبوق، والإصلاح الاقتصادى تتأكل نتائجه التى كانت مُبهرة خلال الـ10 سنوات التى تسبق عام 2013.. الصدمة تشل أجهزة الدولة التركية بعدما خاب رهانها على الفصل بين معارك رئيسها السياسية وبين نشاطها الاقتصادى والسياحى، وبدأت تتذمر لتأثرها من تصرفات أردوغان الطائشة، التى سرعت من وتيره الانهيار الاقتصادى.
كان رد فعل الشارع التركى عنيفًا مع زيادة نسب الفقر والبطالة والتسخين من جانب إعلام أردوغان ضد دول الخليج، حتى أصبح السائح الخليجى مُستباحًا فى الشارع التركى، وامتلأت منصات "سوشيال ميديا" بفيديوهات لمشاهد تعكس التعالى فى التعامل من جانب الأتراك تجاه السياح العرب، وصور لاعتداءات عنيفة وسرقة بالإكراه تتم ضد سياح الخليج، مُضاف إليها ما نقله موقع "عثمانلى" المعنى بالشؤون التركية عن تعرض الفنانة الكويتية مها محمد وزوجها للسطو فى وضح النهار وعلى مسمع ومرأى من المارة فى الشوارع التركية، وبثها للحادث عن طريق تطبيق "سناب شات"، قالت فيه إنها سمعت صراخًا أثناء لعبها مع ابنتها، وعندما نظرت حولها خطف اللص هاتفها المحمول من جيبها.
وأضافت الفنانة الكويتية أن السارقين فروا، وحاولت الشرطة تعقبهم دون جدوى، لافتة الى أن قسم الشرطة لم يتعاون معها فى الوصول الى الجناة.
قصة الفنانة الكويتية تؤكد ما ذهب إليه مؤشر الجريمة العالمى، الذى وضع تركيا فى مقدمة الدول التى تعانى من ازدياد جرائم الاعتداء والسطو المحلى والخطف وسرقة السيارات.
ووفق بيانات وزارة الداخلية التركية، التى نشرتها جريدة "ينى شفق"، يناير الماضى، وشهدت تركيا 110 آلاف حالة سرقة فى 2017 فقط، 31% منها وقع فى بلدية إسطنبول، وهى الوجهة الأهم للسياح من دول الخليج، كما تشير الإحصائيات الرسمية إلى انتشار ظاهرة سرقة الهواتف النقالة الحديثة بشكل كبير داخل وسائل المواصلات، التى تشهد ازدحامًا كبيرًا على مدار الساعة فى إسطنبول، وعلى الرغم من انتشار كاميرات المراقبة الحديثة فى جميع أحياء وشوارع ووسائل مواصلات المدينة التركية، إلا أن الأجهزة الأمنية التركية لم تتمكن من وضع حدٍ لهذه الظاهرة، ولجأت لبث تحذيرات فى وسائل المواصلات للركاب من أجل بث اليقظة، كى لا يقعون فريسة لعمليات السرقة.
تركيا تدفع ثمن إخونه جهازها الأمنى، وتحوله لأداة قمع فى يد أردوغان، وهو ما أدى إلى تسييس مهمته، ومن ثم فقدانه لمهنيته فى مواجهة الجريمة، لأن المهنية لم تعد عاملًا حاسمًا فى تقييم أفراده، وحل محلها الولاء والمقدرة على تنفيذ التكليف السياسى وليس الأمنى، وكذلك استنزاف قدرات الشرطة التركية فى ملاحقة أفراد الجيش وقيادته لصالح تأمين نظام أردوغان، وهو ما أصاب المنظومة الأمنية التركية كلها بخلل شديد، تدفع ثمنه السياحة مصدر الدخل الأهم فى تركيا.
أردوغان كان يراهن على السياحة، من أجل استعاده توازن بلاده الاقتصادى لأنها الوجه الأرخص بعد انهيار عملتها، إلا أن أزمتها الأمنية المتفاقمة حالت دون ذلك، واضطرت سفارتها فى السعودية إلى إصدار منشورات تدعوا السعوديين إلى زيارتها، رغم التوتر الكبير فى العلاقات بين السعودية وتركيا، وراهنت على عدم تأثر قرار السائح السعودى بالتوترات السياسية، إلا أنها فُوجئت بإلغاء مئات الرحلات الأسبوعية، وتحذيرات السعودية وغيرها من الدول من اضطراب الحالة الأمنية، وانتشار حالات سرقة الأوراق الثبوتية، لاحتمال استخدامها فى تنفيذ عمليات إجرامية وإرهابية، وهو معروف عن تركيا من رعايتها للعديد من تلك التنظيمات العنيفة.
رهانات أردوغان تتساقط فى الداخل، كما تتساقط فى الخارج، وكل محاولات تجميل الوجه القبيح لنظامه وإنقاذه اقتصاديًا تبوء بالفشل، لأنها مبنيه بالأساس على الفصل بين الشعوب العربية وقيادتها السياسية التى يتعارك معها، وهو فصل فى غير محله لارتباط تلك الشعوب بقادتها ومصالح بلادها التى بات يهددها التدخل التركى وانكشاف لعبة أردوغان، فهو المستفيد الوحيد من لعبة وصول الإخوان للحكم، والفوضى التى صاحبت ذلك، والدليل تحقيقه لمكاسب خيالية لانهيار السياحة فى مصر بعد يناير 2011، ثم ظهور نواياه العدوانية نحو القيادات الخليجية، كما يعكس هجوم قنوات الجماعة الإرهابية التى يرعاها على مظاهر انفتاح المملكة السعودية على أدوات السياحة والترفيه خوفه الشديد من تأثيرها المباشر على فرص الجذب السياحى لبلاده، وأن لحظة وداع السائح الخليجى لتركيا مقبلة لا محالة.