أحمد الطاهرى
لم يكن محمد عبدالمجيد حلمى إلا انعكاسا صحفيا لتلك الحالة التى استوعبها بالكامل وتفوق عليها. كان الشاب الثلاثينى متحققا ذا سطوة بمطبوعته "المسرح" والتى استقبلت على صفحاتها أباطرة الكتاب آنذاك وشكلت أزمة فى مساحة المنافسة التى سعت روزاليوسف إلى تأسيسها فى المجلة التى حملت اسمها.
كان الفتى الخمرى وجيه المظهر، لكنه أبدا لم يكن نبيلا. هوسه بالنجوم انتقل من حالة الشغف والعشق إلى حالة رسم أقدارهم، والتحكم فى ريموت كنترول نجاحهم قبل اختراع الريموت كنترول نفسه.
مضى هذا الطاووس الناجح فى مساره قبل أن يحدث له تقاطع قدرى عندما استدرجته السلطانة منيرة المهدية إلى وهم حب يرضى غروره.
كانت مسارح القاهرة للتو بدأت فى استخدام الاختراع الجديد المسمى بالمصداح أو الميكرفون، ومع هذه التكنولوجيا، انتهت الميزة النسبية للسلطانة فى مواجهة الريفية البسيطة الأسطورة فيما بعد أم كلثوم.
كانت منيرة المهدية تغنى، فيصل طربها إلى آخر مقعد فى الصالة، وبالتالى اطمأنت إلى مكانها ومكانتها، ولكن أحاط مكر الأيام بأهله، وحدث ما لم تتوقعه، وبدأت أم كلثوم تغنى بالمصداح ويصل صوتها إلى المارة متجاوزا حدود المسرح.
فرشت خيوطها العنكبوتية حول قلب الصحفى الأنجح واستدرجته بدافع الحب، فطعن أم كلثوم فى فنها وشرفها على صفحات مطبوعته.
انقلب الرأى العام الفنى والسياسى، إذ كان بينهما روابط غير مرئية، دفعت القصة إلى توقيت مبكر لتصفية حسابات بين معسكرات شتى بما فيها الإنجليز. وفى نهاية المطاف العيار أدوش أم كلثوم، ولكنه لم يُصِبها، ونجح اللوبى الصحفى المعاكس فى جلب التعاطف لأم كلثوم. أدركت منيرة المهدية أن حيلتها لم تفلح، فاعتبرت علاقتها مع الصحفى مجرد ورقة تواليت حان رميها فى أقرب سلة مهملات.
تخلصت منه وصفعته فى قلبه. دخل الصحفى فى نوبة اكتئاب عميق. لم تفلح حيلة روزاليوسف فى انتشاله منها، إذ كانت تقدر موهبته كثيرا، ونشرت صورته معها وهو يقدم لها الورود وكأنه فى حضرة ملكة إغريقية، وكانت صورته الأخيرة. توفى بعدها بأيام معدودات. ولكنه قرر أنه لن يذهب إلى قبره وحيدا. فكتب ووثق كل ما فعلته معه منيرة المهدية، ثم مات.
البعض تعامل مع القصة على أنها نوبة ضمير صحفى قبل الوداع. البعض صنف القصة على أنها مرجع للكيد الفنى المصرى، فى حين أنها بمعناها الإنسانى المجرد، انتقام المحب.
عاشت منيرة المهدية بعد هذه الواقعة سنوات، ولكنها عاشت ميتة على قيد الحياة، حاولت العودة إلى الأضواء كثيرا، لكنها لم تجد معينًا، وبعدما نجحت فى تنظيم حفل لعودتها، وجدت أم كلثوم جالسة فى المقعد الملكى، والجمهور يحتفى بها.