البث المباشر الراديو 9090
أحمد الطاهرى
عقد من الزمان.. يزيد بأشهر قليلة.. على تغير نوعى فى نمط عمل الكوكب الذى نعيشه بابتكار الإعلام الرقمى والسوشيال ميديا.

انجذب نصف الأحياء على الأرض إلى متعة التواصل السلس فى عالم بلا حدود.. متابعة أخبار.. إنجاز صفقات تجارية.. قصص عاطفية.. أساليب دعاية.. طريق للشهرة.. باختصار انتقلت الإنسانية من مرحلة إلى مرحلة أخرى.

ولكن لم يكن يعرف المليارات من مستخدمى شبكات التواصل الاجتماعى أنهم سيتحولون إلى مجرد سلعة تدر مئات المليارات من الدولارات سنويا.. ثم يتحولون إلى دمى يتم توجيهها لمن يدفع ثمن بيانتها!

لا تندهش.. كل مستخدم له ملف رقمى شامل، يلتقط كل تفاصيلة، إذا بحثت عن أمر ما يتم توثيقه، إذا سجلت إعجابك بصورة ما يتم توثيقها، إذا ما سجلت موقعك فى مكان ما يتم توثيقه، إذا استخدمت لعبة من باب التسلية يتم توثيق بياناتك، وإذا قمت بشراء بضاعة إلكترونية يحدد نمطك ونوعية استهلاكك ويتم توثيقه أيضا.

ملفك الرقمى يتم من خلاله رسم ملامح شخصيتك ونمط تفكيرها وبالتالى تستقطب تجاريا، وتطورت التقنية بفعل أباطرة وادى السليكون فى كاليفورنيا من خلال مئات التطبيقات وأغلبها بالونات اختبار لتجربة نمط تكنولوجى وهو قراءة الأفكار عن طريق الإشارات الكهربائية فى المخ، ومثال ذلك ألعاب قد يكون البعض شارك فيها تتحدى المستخدم بأنها ستتعرف على اختياره.

هذا العالم السرى الذى بات محركا للعالم الواقعى لم يكن أبدا ينزوى بعيدا عن السياسة وأدبياتها، كان من الطبيعى أن يتم رسم عصر سياسى عالمى جديد ومعه أيضا عصر اقتصادى جديد، وعصر إعلامى جديد.

سياسيا.. تكفى الأوراق التى كشفتها قضية "كامبريدج أنالتيك" الشركة العملاقة التى اعتمدت على فكرة معرفة الملفات الرقمية لمستخدمى مواقع التواصل الاجتماعى وكان لها دورها فى الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016، وهى القضية التى مازالت تداعيتها تهز الولايات المتحدة حتى الآن، ونفس الشركة عملت على ملف خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى المعروفه بعملية "بريكست".

هذا السياق للعصر السياسى الجديد أصبح أمرا واقعا على الرغم من الصراخ من المسؤوليات التاريخية والأبعاد الأخلاقية وبالتالى لم يكن صدفة أن يكون مدير حملة انتخابات ترامب 2020 براد بارسكيل هو مسؤول الإعلام الرقمى فى حملة 2016، وليس أحد المستشارين السياسيين، وهنا نقف أيضا أن كبير مستشارين حملة ترامب فى الانتخابات السابقة ستيف بانون هو نائب رئيس شركة كامبريدج أنالتيك وإن كان قد غسل يده من الفضيحة مبكرا.

واقتصاديا فإن العالم يدور فى فلك أربعة كيانات كبرى تتحكم فى المزاج العام للبشرية، وهى جوجل وفيسبوك وأبل وأمازون، وقد استفاض سكوت جالاوى فى شرح قوتهم وعالمهم السرى فى مؤلفه بالغ الأهمية "الأربعة" والذى تناول التحليل "الجينى" لهذة الكيانات من واقع خبرته، وكنت قد عرضت موجزا لهذا الكتاب فى إحدى حلقات برنامج المنايفستو على الراديو 9090 قبل عودتى إلى الولايات المتحدة.. بإمكان هذه الكيانات الأربعة تقديم قاعدة بيانات شاملة لأى مجتمع فى العالم خلال دقائق من خلال بياناتهم الرقمية، حالتهم المعنوية، أهدافهم، لغوهم، وقدراتهم الاقتصادية والشرائية وهكذا.

وكان من المناسب أيضا أن يدخل الإعلام عصرا جديدا موازيا للعصر السياسى والاقتصادى المستحدث، فكان زمن المنصات الرقمية الذى نعيشه وخلال سنوات لن تتجاوز أصابع اليد الواحدة سيصبح الإعلام العالمى فى قبضة خمس منصات رقمية على الأكثر، وتتحول كل أدوات الصناعة الإعلامية فى العالم إلى معبر لإنتاج وسيط.

قد يفسر البعض هذه السطور بأنها استسلام لنظرية المؤامرة، ولكنها محاولة إدراك للعالم الذى نعيشه، الصراع أكبر من فكرة المؤامرة، المؤامرة إحدى أدوات الصراع، لقد سُرقنا إنسانيا وفكريا وسياسيا وتمت السرقة بنجاح فى ظل عصر سياسى واقتصادى وإعلامى عالمى جديد علينا أن نستوعبه ونستوعب أدواته.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز