أحمد الطاهرى
تلك الأطماع انتهزت حالة السيولة المنطقية التى ضربت منظومة الأمن الإقليمى العربى ومعها تراجعت القضية الفلسطينية باعتبارها القضية المركزية للعرب، ونالت إسرائيل قسطا من النعيم الإستراتيجى الذى لم تتذوقه منذ عام 1948.
وفى ظل هذه السيولة، بدأت الولايات المتحدة فى اعتماد استراتيجية أمنية جديدة فى المنطقة عنوانها تخفيف التواجد العسكرى مع ضمان حماية مصالحها، وفى المقابل انتشرت روسيا عسكريا بشكل تجاوز انتشار الاتحاد السوفيتى فى عنفوانه.
وبين القوتين وتواجدهما وحساباتهما، تأسست ميليشيات تحيا على التناقض بينهما، وتخوض حروب الوكالة على أراضى العرب لخدمة مشروعين فقط، وهما المشروع التركى، والمشروع الإيرانى، وثالثهما قطر التى تحلم بموضع قدم إقليمى يرسم لها حدودا جديدة فى الخليج.
قبل عقد من الزمن، كانت إسرائيل محاصرة بمحيط عربى .. والآن، أصبح المحيط العربى محاصرا بالميليشيات فى لبنان وسوريا والعراق شرقا ومحاولة تطويق المملكة العربية السعودية من اليمن، وتهديد البحر الأحمر من الصومال، ومحاولة خنق مصر من الجنوب، والغرب فى ليبيا مع التهديد الشرقى المستمر.
ولكن نجحت مصر فى الفترة من 2014، وحتى 2020 فى تحقيق معجزة وأصبحت الكتلة الأكثر صلابة فى المنطقة بما يتجاوز قدرات تركيا، وبما يفوق قدرات إيران وبما يزيد عن إمكانية إسرائيل من خلال تحديث شامل لعناصر القوة الشاملة للدولة المصرية، وفى طليعتها قوتها العسكرية، وزادت من كمها الإستراتيجى بتحديث قناة السويس من خلال الممر الملاحى الجديد، والذى وأد فكرة وجود قناة بديلة من جهة، وكذلك ضمان أمن وسلامة الملاحة فى قناة السويس ثم تعزيز موقعها فى خريطة العالم للطاقة بعد تمكنها من فرض إرادتها السياسية بترسيم الحدود البحرية واستخراج ثرواتها وفرض حمايتها بالقوة.
وخلال هذا العقد، ضعفت أوروبا كثيرا وسيزيد ضعفها وأصبح الناتو بلا ظهير أمريكى، ويتم التلاعب بضوابطه التسليحية من قبل تركيا بما يهدد ترسانته ودوله، فبات أسدا عجوزا ينتظر إطلاق رصاصة الرحمة لتشكيل صيغة أمنية جديدة تتوافق مع الواقع الأوروبى، أما عقل أوروبا وضميرها فهو مشتت بين موجة يسارية وموجات انفصالية، وستزيد حدتها بعد كورونا، ولن تكون بريطانيا المغادر الوحيد للاتحاد الأوروبى هى فقط أول المغادرين.
وبالتبعية، خرج الشرق الأوسط من ثنائية التسليح الأمريكى الروسى القديمة، وبات يستوعب سلاحا فرنسيا وصينيا، وهو أمر له تعقيده، فضلا عن دخول سلاح الطائرات المسيرة على مسارح عملياته كحقل تجارب وانتعش سوق السلاح وتجاره ودماره، وهى التجارة التى انعشت خزانة أردوغان وصهره وضمنت لإيران مساحة كافية للمراوغة وعززت ختتطاف حزب الله للبنان.
خذ هذه الصورة بكل تعقيدها شرقا وغربا وكل تفاصيلها المؤلمة المعلنة والمجرمة غير المعلنة، وقم بإلقائها على الواقع فى ليبيا الآن، فهى تتجسد هناك على بعد كيلومترات من الحدود المصرية، وتحديدا عند الخط الأحمر المصرى الذى حدده الرئيس عبدالفتاح السيسى أمام العالم قاصدا خط سرت - الجفرة.
إنفوجراف.. هانى الناظر .. بـ 8 خطوات ابعد عن كورونا تبعد عنك
وخلال الأيام الماضية، انبرى المحللون فى رسم سيناريوهات للحرب فى ليبيا غلبت فيها العاطفة المعلومة .. وغلب فيها الاندفاع حلا بديلا عن القراءة الواقعية للمشهد، وهنا أجد أنه من المناسب توضيح عدد من النقاط :
1- أن الحرب صراع إرادات وهى تختلف عن القتال، ولذلك فالحرب العربية التركية والعربية الإيرانية دائرة وإن لم يسمع صوت مدافعها.
2 - أن القتال له حسابات يقدرها صانع القرار وفق تقديره المبنى على تقدير المؤسسات المعنية بالأمن القومى المصرى، وهو الآن يتحمل مسؤولية الأمة المصرية كلها وهو يعلم جيدا أين يضع أقدامه، فلا مجال للإفتاء عليه.
3 - عالم اليوم من وجهة نظرى لم يعد مستعدا إلا للقتال المؤقت الذى يحدد هدفا سياسيا ينبغى الوصول إليه وبذلك يصبح القتال وسيلة سياسية.
4 - أن الهدف السياسى المصرى تم إعلانه فى مرات متعددة، وآخرها قبل يومين فى مؤتمر الرئيس السيسى مع شيوخ قبائل ليبيا، وهو ليبيا الموحدة، والتى لا يتحكم فى مصيرها الميليشيات.
5 - أن القتال فى ليبيا، وكما ظهر من تصريحات الرئيس السيسى، فى مؤتمر شيوخ القبائل، له عنوان للدخول وعنوان للخروج، بما يعنى أن مصر حددت توقيتاتها، وأن صمت القاهرة طيلة السنوات الماضية كان تقدير موقف لقرارات حاسمة.
6 - أن الهدف المصرى المباشر هو حفظ أمنها القومى، وتستند فى ذلك إلى دعوة أهل ليبيا وبرلمانها المنتخب، ومن قبل كل ذلك ميثاق الأمم المتحدة، والذى يتحدث عن حق الدول فى الدفاع عن نفسها، وعلينا هنا أن ندرك أن هذا المبدأ قابل للتحرك على جميع الاتجاهات الإستراتيجية شرقا وغربا، وشمالا فى المتوسط وجنوبا، إذا اقتضت الضرورة، وإذا قرر صانع القرار المصرى الذى استدعى الدولة الدستورية مشترطا موافقة البرلمان المصرى لأن مصر دولة مؤسسات، فهو يدرك جيدا قوة الردع الذى يحملها مثل هذا التحرك على كل الاتجاهات الإستراتيجية بعيدا حتى عن ميدان القتال.
أخيرا، وبعد كل ما سبق يظل السؤال عن الهدف الإستراتيجى الذى يتجاوز الأهداف المباشرة .. بمعنى أن حرب أكتوبر كان هدفها المباشر تحرير الأرض المحتلة، أما هدفها الإستراتيجى كان تحطيم نظرية الأمن الإسرائيلى، وأن لإسرائيل اليد الطولى على العرب .. وفى ظنى، أن المواجهة فى ليبيا إذا قدرت والقتال إذا اشتعل، فإن هدفه الإستراتيجى هو إجبار تركيا على العودة إلى داخل حدودها.