أحمد الطاهرى
فى هذا المثلث تتبلور فلسفة نزاع الهوية والنفوذ على الإقليم.. بين دولة ترى فيه وفى ثرواته امتدادًا فارسيا ودولة تظن أنه إرث عثمانى تريد أن تستعيده بصيغة جديدة ودولة تتمسك وتدافع عن عروبته.
هذه الأدوار أضيف إليها دور سعودى من الصعب تجاهله منذ منتصف السبعينات وحتى اليوم، لكنه دور مستحدث بميزان التاريخ وكذلك ظهر على مسرح الشرق الأوسط فاعل سياسى مؤثر خلال العقدين الماضيين وهو دولة الإمارات العربية المتحدة.
تعد العلاقة بين الدور الإقليمى المصرى ونظيره السعودى والإماراتى، علاقة طردية، بمعنى فى عنفوان مصر قوة للسعودية والإمارات وتمتد إلى سائر الإقليم بالتبعية، وعندما يتراجع الدور المصرى أو ينتكس فإن الخطر يواجه السعودية والإمارات بشكل مباشر ويمتد بالتبعية لسائر الإقليم.
فى المقابل فإن تهديد الخليج وفى القلب منه السعودية والإمارات يشكل تهديدًا حقيقيًا للأمن القومى المصرى ومن هنا نفهم معنى أن الخليج جزء من الأمن القومى المصرى وهو ما فسره الرئيس السيسى سابقا فى عبارة "مسافة السكة"، كما أن هناك العلاقة عكسية بين الدور المصرى والدور التركى والإيرانى، ففى امتداد مصر انكماشهم وهكذا.
مصر من خمسينيات القرن الماضى وحتى اليوم تعرضت لعدوان 1965 ثم ذهبت إلى حرب اليمن ثم نكسة 1967 ثم حرب الاستنزاف ثم حرب أكتوبر عام 1973 ثم معاهدة سلام مع إسرائيل عام 1979 ثم شهدت فعلًا ثوريًا فى يناير 2011 كاد أن يسقط الدولة وسمح هذا الفعل بوصول جماعة إرهابية إلى الحكم وهو ما تم تصحيحه فى ثورة يونيو 2013.
هذه الأمور يكفى أحدها ليغير مسار دولة، ولكن مصر أو الدور المصرى ظل محتفظًا بخصائصة وثوابته المستمدة من ثبات الدولة المصرية ومرجعه الرئيسى أنها دولة مؤسسات هرمية الإدارة والأهم أنها دولة لم تعرف الانقطاع الحضارى على مدار تاريخها، لم تغير جلدها، لا فى التاريخ القديم ولا فى التاريخ الحديث ولكنها عاشت عصورًا مظلمة مع الاحتلال العثمانى من عام 1517 وحتى 1805، وبالتالى لا تستغرب أن أسس بناء الدولة ومحددات الدور ونطاقه فى مصر الفرعونية – من عام 3100 قبل الميلاد وحتى عام 525 قبل الميلاد – هى نفس الأسس التى ارتكن عليها محمد على، وهى نفسها التى لخصت فلسفة ثورة يوليو 1952 وذاتها التى أعاد بها الرئيس عبد الفتاح السيسى عملية التحديث الشاملة للدولة المصرية ودورها وهى ما يمكن تلخيصه فى مصطلح "امتلاك القدرة" والتى تجسدت بجلاء ليس فقط فى المؤشرات الاقتصادية المرتفعة أو استقلال القرار السياسى والسيادة المطلقة على التراب المصرى ولكن فى الإقدام على فعل يعد من خصائص الدول الكبرى وهو إقامة القواعد العسكرية المتطورة.
الدور المصرى استمد قدرًا ليس قليلًا من القيم الحضارية وهو ما وثقته عبقرية جمال حمدان فى مجلدات "شخصية مصر"، هى دولة ليس لها أطماع بالفطرة ولكنها صلبة لا تنكسر تكونت على حضارة نهرية وعرفت فكرة التواصل والعطاء والعيش المشترك ولم تؤسس على فكرة الندرة التى تدفع أصحابها إلى صراع البقاء إما أحيا أنا أو تحيا أنت.
فى المقابل عرفت إيران الانقطاع الحضارى عام 1979 مع حكم الملالى وتغيرت مؤسسات الدولة وتركيبتها وهويتها، وحضرت عسكريا فى حرب الخليج الأولى أمام العراق وتعلمت من الدرس أن المواجهة المباشرة تؤذيها كثيرا فبدأت فى تجميع كروت إقليمية لخدمة مشروعها الإقليمى الكارثى، وبالتالى فهو دور يجد امتداده فى التخريب وسحب الولاء من قبل أهل البلد إلى خارج حدود دولتهم وحدث ذلك من قبل بعض الفرق فى لبنان واليمن والعراق وغزة وسوريا.
بغير لعبة الكروت، إيران بلا دور إقليمى، نظام سياسى عقائدى فقد صلاحيته للبقاء ولكنه باقٍ حتى الآن؛ لأنه يعرف كيف يدير الصراع ويعرف كيف يبتز محيطه الإقليمى والمجتمع الدولى ولكن طال الأمد أو قصر هى مسألة وقت ومن هنا فإن من مصلحة إيران استمرار حالة الوهن والسيولة التى ضربت منظومة الأمن الإقليمى منذ احتلال العراق عام 2003 وتبع ذلك تسونامى انهيار الدولة القومية بداية من 2011.
أما تركيا، مما لا شك فيه أن تيار الإسلام السياسى التابع للتنظيم الدولى لجماعة الإخوان الإرهابية ممثلا فى حزب العدالة والتنمية الحاكم ورجب طيب أردوغان استفادوا من المناخ السياسى والديمقراطى الذى منحته لهم الفلسفة الأتاتوركية العلمانية والتى كانت تجنح بتركيا نحو النموذج الغربى، ولكن كانت تلك العلمانية مجرد وسيلة مواصلات ركبها الإسلاميون حتى سيطروا على مفاصل الدولة التركية وكان أول فعل إشعال النار فى هذه الوسيلة حتى لا يصل غيرهم.
تركيا اليوم لم تعد تشكل تلك الحالة الاقتصادية التى خدع بها أردوغان العالم ولم تعد تلك الدولة القائمة على نظرية لا مشاكل مع المحيط الجغرافى وهى السياسة التى حملت عنوان كتاب أحمد داود أوغلوا عن سياسة بلاده الخارجية قبل عقد من الزمن.
تركيا الآن أبعد ما تكون عن حلم الانضمام للاتحاد الأوروبى من جهة، ومن جهة أخرى تعانى من صدمة انهيار حلم السيطرة على الإقليم العربى بنهاية الإخوان فى مصر وما تبعه من واقع جديد فرض نفسه على الأدبيات الدولية بما فيها هذا الفكر الغربى الذى ظن أن الإسلاميين سيحكمون المنطقة لنصف قرن أو أكثر، وتركيا أصبحت بلا حلفاء فى المنطقة باستثناء زائدة جغرافية اسمها قطر، وعزلت فى منطقة المستقبل والثروة وهى شرق المتوسط.
أما مقومات المناورة والبقاء التى يستند إليها أردوغان اليوم تتجسد فى محورين الأول أنها الدولة التى تستضيف قاعدة أنجرليك العسكرية الأمريكية والثانى أن الأراضى التركية تشكل نقطة رئيسية فى خط الغاز الروسى، وافتقاد خصائص التأثير للدور التركى تفسر تخبط وترنح أردوغان، إنه صراخ المحبط واندفاع المفلس ومن هنا يستدعى إرث بلاده التاريخى الآن فى خطابه السياسى لأنه لا يعرف مستقبل بلاده إلى أين سيمضى.