أحمد محمود
وأضاف أن أباطرة الصحافة فى اليابان لازالوا متمسكين بالصحافة الورقية التقليدية، وإنهم لا يهتمون كثيرًا بما يريده الشباب، ولا يستجيبون لطلب الشباب اليابانى بالتوسع فى الصحافة الإلكترونية، خصوصًا وأن هؤلاء الأباطرة أثرياء ويمكنهم الإنفاق على الصحف، ابتسم السيد سوزوكى وقال إن مالكى الصحف فى اليابان حين بدأوا العمل بالصحافة كانوا مهتمين بالتجديد والتطوير ومتابعة تطورات الصحف العالمية لكن كل هذا تغّير الآن.
نظرت إلى السيد سوزوكى وعلى وجهى ابتسامة تحمل بعضًا من الدهشة، قلت له الأمر هنا معكوس تماما فيما يخص الصحافة الورقية أو التقليدية، فنسبة الشباب فى مصر كبيرة تصل إلى 60% من إجمالى عدد السكان، هؤلاء الشباب انصرفوا تماما عن متابعة الصحف الورقية، واتجهوا إلى متابعة المواقع الإلكترونية، وشبكات التواصل الاجتماعى، فانخفضت مبيعات الصحف، وتدهورت اقتصادياتها وأثقلت الديون عددًا لا بأس به منها، واتجهت العديد من الصحف الخاصة إلى تسريح أعداد من العاملين لديها، بينما ظلت الصحف القومية مكتظة بالسكان إذ إن العاملين لديها تحميهم، لحسن الحظ، قوانين نقابية صارمة لا تسمح بتسريحهم مثلما هو الحال فى الصحف الخاصة.
والحقيقة أن أزمة الصحافة القومية سواء الورقية أو حتى الإلكترونية فى مصر، هى أزمة إدارة بالأساس، إذ كثيرًا ما تلجأ إدارات الصحف إلى حلول يصفونها بالاقتصادية، لكنها مع ذلك يتضح أنها غير ذات جدوى، ذلك أن الأمر يحتاج إلى إدارة تنفيذية مهنية بالأساس، إذ غالبًا ما يتم الخلط بين أزمة إدارة المؤسسات وبين سوء إدارة المحتوى، وهو ما يجعلنا نسمع اقتراحات من قبيل دمج المؤسسات، واللجوء لشركات كبرى لحل أزمة الصحف القومية، وأيضًا الحديث عن تحويل المطبوعات الورقية إلى الكترونية لخفض التكلفة، وهى حلول ربما تكون صائبة، لكن المشكلة الكبرى أنه إذا تم تنفيذ هذه المقترحات دون أن يتم تطوير المحتوى ضمن خطة استراتيجية مهنية، فإن تلك الحلول قد تعصف بتلك المؤسسات بل ربما تعصف بالمهنة ذاتها.
تهتم الصحافة أساسًا بالأخبار والتحقيقات والتحليلات، تلك التى تتعلق بالمواطن أو القارئ، أو المستهلك للصحف إن صح التعبير، وقد كان المعيار لتفوق صحفى على آخر فى فترة ازدهار الصحف، هو قدرة ذلك الصحفى على الإتيان بسبق أو معلومة لم يسبقه إليها أحد، بينما كان صحفى آخر يمتاز بقدرته على عرض مشاكل الناس، وقد كان الأستاذ عبد الوهاب مطاوع محرر بريد الجمعة، من أكثر الصحفيين والكتاب شهرة لدى القارئ فى مصر، وكان عدد الأهرام يوم الجمعة يحقق مبيعات قياسية، بسبب اهتمام هذا الباب بعرض مشاكل القراء، فلما انصرفت الصحف عن الاهتمام بمشاكل الناس انصرفوا عنها، وحين تشابهت عناوين الصحف وموضوعاتها مع بعضها البعض، لم يعد هناك حاجة لشرائها، خصوصا بعد انتشار مجموعات التواصل الاجتماعى، وخدمات الأخبار العاجلة المجانية عبر رسائل المحمول.
قبل دخول شبكات الإنترنت إلى المؤسسات الصحفية، كان على الصحفى أن يبحث عن المعلومات عن الموضوع الذى ينتوى العمل عليه داخل أقسام "الأرشيف"، وكان ذلك يتطلب جهدًا ووقتًا كبيرًا، لكن ذلك أضاف ثقلًا نوعيًا كبيرًا للصحفى بل وزاد من ثقافته، وهو الأمر الذى اختفى شيئًا فشيئًا بعد انتشار شبكات الإنترنت، وسهولة الحصول على المعلومات ونسخها أيضا، وهو الأمر الذى زاد من التشابه الكبير فى موضوعات الصحف، ونقص ظاهرة التفرد والامتياز، بموضوعات حصرية من أروقة المجتمع عن مشاكل الناس واحتياجاتهم.
أظن من كل ما سبق أن حل أزمة الصحف القومية لا يمكن أن يتم من خلال الدمج، سواء كان دمجًا للإصدارات أو للمؤسسات، إذ إن أمر الدمج هذا يشبه إلى حد كبير، أن يتم دمج عربة قطار بسيارة ركاب عادية دون معرفة ما يحتاجه ركابها أصلًا، إذ تحتاج المؤسسات الصحفية لاعتماد أسلوب إدارة تنفيذى حديث، قائم على خطة تطوير تعتمد على رفع كفاءة الصحفيين المهنية، وتدريبهم على العمل على قضايا المجتمع، والاهتمام بوضع ميثاق مهنى أخلاقى للقضاء على ظاهرة نسخ الموضوعات، ليعيد ذلك للمهنة رونقها ومصداقيتها لدى القارئ، هذا القارئ الذى هو المستهلك، والذى هو الهدف الذى تستهدفه تلك الصناعة وتسعى لإرضائه بالأساس.