أحمد محمود
والحقيقة أن هذا الأمر يثير الاستغراب من موقف الرئيس التركى، الذى يسعى للتدخل فى أراض عربية للمرة الثانية، بزعم أنه يدافع عن الحرية والديمقراطية، ويدعم شعوب هذه الدول من أجل التحرر كونها إسلامية، مع أنه يرتبط فى الوقت نفسه بعلاقات وطيدة بالكيان الصهيوني، ولا يحاول أبدا التحرك من أجل تحرير القدس المحتلة، وتتفنن قوات الإحتلال فى إذاقة الشعب الفلسطينى كافة أشكال القهر دون أن يحرك إردوجان ساكنًا من أجلهم.
كنت قد دعيت الأسبوع الماضى لحضور ندوة نظمها مركز الحوار للدراسات السياسية والإعلامية تحت عنوان "دور اندونيسيا فى عملية السلام"، حضرها عدد من المتخصصين فى الشأن الآسيوى والعربى، خصوصا الفلسطينى، منهم السفير على الحفنى مساعد وزير الخارجية الأسبق، والمستشار غازى فخرى عضو المجلس الوطنى الفلسطينى.
وتحدث فيها السفير حلمى فوزى، سفير إندونيسيا بالقاهرة، موضحا أن السلام الدولى لا يتعلق فقط بنشر القوات فى المناطق المشتعلة بالنزاع، وإنما يجب أن يكون مستداما ومتعدد الأبعاد بدعم التنمية الاقتصادية، وتمكين الأفراد، وحماية حقوق الإنسان والديمقراطية.
أقيمت هذه الندوة فى إطار الدعم الدولى والتضامن مع القضية الفلسطينية، وافتتحت بكلمة المهندس عبد السلام الخضراوى رئيس مركز الحوار ووكيل لجنة الطاقة والبيئة بمجلس النواب، والذى أشار من خلالها إلى الجهود المصرية على مدار العقود الماضية فى دعم القضية الفلسطينية كونها قضية العرب الأولى، بل وإدراك الدولة المصرية أن حل هذه القضية هو حجر الأساس لاستقرار المنطقة.
ناقشت الندوة أيضًا أهمية دور جمهورية اندونيسيا، باعتبارها ليست فقط أكبر دولة إسلامية من حيث تعداد السكان، أو كونها أحد الأعضاء المؤسسين لرابطة "الآسيان"، أو لأنها عضو فى مجموعة العشرين للاقتصادات العالمية، إذ يعد الاقتصاد الإندونيسى الثامن عشر عالميا من حيث الناتج المحلى الإجمالى، والخامس عشر من حيث القوة الشرائية، ولكن أيضًا بسبب دورها السياسى لتحقيق السلام بفعل مشاركتها فى القوات الدولية لحفظ السلام، والمكانة الدولية التى حظيت بها بعضويتها فى مجلس الأمن الدولى، ما يزيد من أهميتها الإقليمية والدولية الراهنة.
ما جاء فى هذه الندوة من معلومات وآراء الخبراء، دفعنى رغم أننى لا أحبذ ذلك كثيرًا، لعقد مقارنة بين الموقف التركى من قضايا الشرق الأوسط، وبين موقف إندونيسيا من نفس الموضوع، خصوصا وأن إندونيسيا هى الدولة الإسلامية الأكبر من حيث عدد السكان، وأصبحت الآن واحدة من أكبر اقتصادات العالم وأكثرها ديمقراطية على الإطلاق، وأكثرها مساهمة وتأثيرًا على قضايا السلام والديمقراطية فى منطقة آسيا بعد انتهاجها لإصلاحات سياسية واقتصادية، بدأت مع سقوط نظام "سوهارتو" عام 1998 واستمرت دون تعثر فى تقدم مطرد، وأنها مرشحة لتكون من القوى الكبرى بين دول جنوب شرق آسيا.
ما سبق كان بمثابة فارق حاسم بالنسبة لى فى تقييم مسار الدولتين، إذ بينما تسعى إندونيسيا لتحقيق السلام فى منطقة الشرق الأوسط، تسعى فيما يبدو تركيا للتوسع عسكريا على حساب الدول العربية والإسلامية، وهو أمر يعيد إلى الأذهان تاريخ الإمبراطورية العثمانية، وما مارسته من سياسات استعمارية فى دول الشرق الأوسط، وهى مسألة حاسمة بلا شك فى مستقبل سياساتنا الخارجية، وتقديرنا للدول الصديقة التى تسعى طوال الوقت لمساندتنا ودعمنا.