البث المباشر الراديو 9090
أحمد محمود
المشاهد لما يحدث على مسارح السياسة العالمية اليوم يشعر وكأنه فى خضم إحدى ألعاب الحروب، التى يمارسها المراهقون بالملايين على مواقع التواصل الاجتماعى، أو على شاشات الحواسب الآلية بغرض التسلية، أو بغرض تحقيق نشوة انتصار زائف قد لا يحصلون عليه فى العالم الواقعى.

ما يحدث الآن من حروب فى منطقة الشرق الأوسط يشبه إلى حد كبير هذه الألعاب الإلكترونية، حيث تدورتلك الحروب فى إطار كبير من الفوضى، هذه الفوضى تعيد إلى الأذهان مصطلح "الفوضى الخلاقة" الذى صاغه الخبير والمفكر الاستراتيجى الأمريكى "مايكل ليدن" الباحث فى معهد "أمريكا انتر برايز" بعد الغزو الأمريكى للعراق فى مارس 2003، ومن يومها لازالت منطقة الشرق الأوسط تذخر بالصراعات حتى الآن.

كانت وزيرة الخارجية الأميركية "كونداليزا رايس" قد أدلت فى مطلع عام 2005 بحديث صحفى مع جريدة واشنطن بوست الأميركية، أعلنت فيه عن نوايا الولايات المتحدة بنشر الديمقراطية بالعالم العربى والبدء بتشكيل ما يُعرف بالشرق الأوسط الجديد، وذلك عبر نشر "الفوضى الخلاقة" فى المنطقة.

وتتلخص نظرية الفوضى الخلاقة فى أنه عندما يصل أى مجتمع إلى أقصى درجات الفوضى المتمثلة فى العنف الهائل وإراقة الدماء، وإشاعة أكبر قدر ممكن من الخوف لدى الشعوب، فإن البلد المستهدف يصبح جاهزًا لإعادة البناء من جديد، وبهوية جديدة تخدم مصالح الجميع، والمراقب للأحداث فى الشرق الأوسط منذ 2003 وحتى الآن، سيجد أن ذلك هو ما حدث ولازال يحدث فى العراق، ويحدث فى سوريا، وليبيا وتونس، بل ولا تتوقف محاولات استفزاز مصر للوقوع فى براثن هذه الفوضى.

تتسابق بعض قيادات الدول الآن على ممارسة الحروب وكأنها ألعاب يتسامرون بها، هؤلاء القادة يتجاهلون أمن شعوبهم ورفاهيتهم  فى سعيهم لإثبات قدراتهم العسكرية، وتحقيق أطماعهم التوسعية، ويتصورون أنهم بإرسال قوات بلادهم بعيدا عن أراضيهم، أن بلادهم ستكون بذلك فى منأى عن آثار الحروب، مع أن التاريخ يخبرنا أن الدول والإمبراطوريات الاستعمارية الكبرى، لم تنجح فى البقاء طويلًا فى الأراضى التى استعمرتها وامتصت ثرواتها، لكنها أحلام القادة المغامرين التى تدفعهم لممارسة تلك الألعاب الخطرة دفعًا، واهمين بقدرتهم على الانتصار والبقاء إلى الأبد.

قد يبدو أن الفائز الوحيد فى هذه الألعاب، هى الدول التى تصنعها وتخطط لها، بحيث تستفيد منها فى تجارة السلاح واتساع نفوذها، لكن الواقع يثبت أن لا أحد فائز فى هذه اللعبة الخطرة، بل إن الخسارة عادة ما تمتد إلى الإنسانية جمعاء، حيث تراق دماء وتهدر ثروات كان من الممكن أن تكون وسيلة فى سبيل الرفاهية لا الحرب والدمار.

ذهب عام 2019 بكل أوجاعه ومآسيه من حروب ومجاعات وأوبئة، انتشرت فى معظم البلاد التى قامت فيها الحروب، وتبادل الكثيرون على مواقع التواصل الاجتماعى عبارات ورسائل التهنئة بالعام الجديد، والتمنيات أن يكون العام الجديد عام سلام ومحبة، وهو ما يبدو أنه ربما لن يكون ممكنًا ببساطة طالما استمر ولع هؤلاء المغامرون بألعاب الحروب.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز