أحمد محمود
الطريف أننى كنت قبل مشاهدة الفيلم الأمريكى اشاهد حفل توزيع جوائز "الجولدن جلوب" واستوقفتنى رسالة الممثل الأسترالى راسل كرو، تلك الرسالة التى طلب أن تتلوها الممثلة الأمريكية "جنيفر آنستون" على الحاضرين فى حال فوزه، بسبب اضطراره للسفر إلى أستراليا لحماية عائلته من خطر الحرائق التى ضربت أستراليا وتسببت فى احتراق ما يقرب من 30% من الغابات هناك.
تحدث "كرو" عن أن التغير المناخى وتدخل الإنسان فى الطبيعة هو السبب الرئيس فى اشتعال تلك الحرائق، وهو ما جاء أيضًا فى فيلم "يوم بعد الغد" الذى تم إنتاجه عام 2004 وكتبه وأخرجه المخرج "رونالد إيميريتش" وقام ببطولته الممثل الأمريكى دينيس كواد، حيث شرح بطل الفيلم كيف أن كوكب الأرض يتعرض لعواصف جبارة، بسبب أنشطة الإنسان المدمرة للتوان البيئي، وأن هذه العواصف لن تتوقف إلا بعد أن تقضى على الخلل البيئى المسبب لفوران الطبيعة.
تزامن كل ذلك مع بيان وزارة الخارجية المصرية بشأن مباحثات سد النهضة، وإصرار القيادة السياسية فى إثيوبيا على تجاهل المطالب المصرية بشأن ملئ السد بالمياه، وهو أمر ذكرنى بدراسة قام بها الباحث عباس محمد شراقى من قسم الموارد الطبيعية بمعهد البحوث والدراسات الإفريقية بجامعة القاهرة، بعنوان جيولوجية سد النھضة الإثيوبى وأثرھا على أمان السد، جاء فيها أن إثيوبيا يقسمها أكبر فالق على سطح الأرض وهو الأخدود الأفريقـى العظـيم، ممـا تسبب فى حدوث الزلازل المتكررة فى إثيوبيـا، وخـصوصا فـى مثلـث عفـار وعلـى امتـداد الاخـدود، حيـث تحدث الزلازل بشدة أكبر من ٥ ريختر، وهو ما أدى إلى كثرة الفوالق والتشققات فى الصخور الإثيوبية ومن ثم الإنهيارات الصخرية، وساعد على ذلك شدة الأمطار والانحدارات الأرضية، ووجود طبقة من الطمى أسفل كتل صـخرية، ممـا يـساعد علـى انزلاقهـا كمـا هـو الحـال فـى منطقـة تيجارى شمال إثيوبيا.
اعتقد أنه يجب على الحكومة الإثيوبية الالتفات إلى مثل هذه الدراسات، وأن تتأنى على الأقل فى مسألة ملئ خزان السد، للاطمئنان بأنه لن تكون هناك مضاعفات وزلازل بسبب ضغط المياه التى سيتم تخزينها على صفائح القشرة الأرضية، والتى قد تتسبب فى حدوث زلازل، وربما انهيارات صخرية كبيرة، خاصة بسبب إندفاع المياه بسرعات هائلة فى أشهر الفيضان على الهضبة الإثيوبية، وهو ما قد يتسبب فى كوارث إنسانية للإقليم بأكمله، وأن تدرك إثيوبيا أيضًا أنه غالبًا ما يعتقد الإنسان أنه يستطيع أن يكبح جماح الطبيعة، ثم يفاجأ بفورتها وثوراتها، مع عدم قدرته على السيطرة عليها بعد فوات الأوان، وهو أمر ينبغى أن يفطن إليه الساسة هناك قبل تمسكهم بقرارات قد تتسبب فى مآسى لمواطنيهم.
مر العالم بحربين عالميتين طاحنتين راح ضحيتها الملايين من البشر، بسبب الأطماع التوسعية لبعض قادة دول الغرب، لكن الغرب خرج من هذا الدرس القاسي، بضرورة التوحد من أجل تحقيق رفاهية الإنسان الغربي، ونبذ الصراعات بينهم من أجل بقاء ونماء بلادهم، ونحن فى إفريقيا لدينا الفرصة الكاملة لتحقيق هذا التضامن من خلال الاتحاد الإفريقي، ولكن ينقصنا أن نبحث سويًا عن مكامن التوافق والنجاح والتقدم، وأن نتبادل معًا الخبرات والثروات من أجل رفاهية المواطن الإفريقي، الذى عانى كثيرًا من الاستعمار والاستغلال، والذى ربما سوف يعانى أيضًا من تقلبات الطبيعة بسبب تغير المناخ، وأظن أنه قد آن الأوان لتحقق إفريقيا ما تتمناه من تقدم ورفاهية، وهى مسألة لن تتحقق إلا بالتضامن والتفاهم والتعاضد بين دولها كافة، من أجل مستقبل أفضل للقارة السمراء قبل ان يأتى يوم ما بعد الغد.