أحمد محمود
يقول الخشت "لن نستطيع أن نأت بخطاب دينى جديد إلا إذا غيرنا منهجيات وأسس الدراسات الدينية، فهناك خلط بين المقدس والبشرى، وهناك علم تفسير قديم يقوم على صحة وصواب الرأى الواحد، بينما القرآن يتسع لمعان عديدة ومتعددة كلها تحتمل الصواب وكلها ممكنة التنفيذ، ولا بدّ من دراسات جديدة تتخلص من سيادة العقائد الأشعرية وتكوين رؤية جديدة للعالم، ولا بدّ التمييز بين درجات الأحاديث الآحاد والمتواترة، فلابد أن نفتح المجال للعلوم الإنسانية الحديثة".
ينطلق الخشت هنا من فكرة إن التراث الدينى لم يعد ملائما للعصر، وأنه يجب نقده وتجديده ليلائم العصر، وهو موضوع تساؤلات لطالما طرحها علينا أستاذه ومعلمنا الدكتور حسن حنفى فى محاضرات الفلسفة الإسلامية، متأثرًا بفكر الفيلسوف الهولندى "باروخ اسبينوزا"، بينما يخشى فيما يبدو فضيلة الإمام، أن يكون هذا النقد مقدمة لنقض وهدم التراث، الذى انبنى عليه الفكر الإسلامى على مدار أكثر من ألف سنة، اجتهد خلالها علماء المسلمين لوضع نسق لعلم أصول الفقه وعلم أصول الدين، يمكن لعلماء المسلمين من خلالهما وضع مسارات للأحكام والتشريعات الإسلامية.
عقب شيخ الأزهر الذى يمثل مؤسسة الأزهر الشريف، إحدى القوى الناعمة المؤثرة فى الدولة المصرية، وينتمى إليه معظم المفكرين الذين أثّروا وما زالوا يؤثرون فى العالم الإسلامى، من أمثال رفاعة الطهطاوى ومحمد عبده ومحمود شلتوت وعبد الحليم محمود وغيرهم، والذى يتجاوز حدود مصر إلى العالم الإسلامى كله، بأن الأشعرية لا تعتمد على أحاديث الآحاد فى العقيدة كما يبدو من حديث الخشت، وأن هذا كلام مردود عليه، إلى آخر ما جاء فى تعقيب الإمام، وهو تعقيب على أمور قد لا يجد العامة والبسطاء سهولة فى استيعابها، الأمر الذى يجب أن ينتبه إليه كل منهما، وهو بأن تظل تلك النقاشات فى إطار المؤسسات العلمية، قبل أن تخرج فى تفسير واضح وبسيط إلى الناس.
من كل ما سبق أظن أنه على الدكتور الخشت وهو أستاذ للفلسفة، أن يتبنى الدعوة إلى التقريب بين مناهج الفكر، وأن يهتم بدعم مناهج الفلسفة والتفكير العقلى لدى الشباب، وهو أمر يملك مفاتيحه الخشت، كونه رئيسًا لأعرق جامعة مصرية، وأن ينتبه إلى ضرورة دعم وتبنى المناهج العلمية والعقلية، ما يستدعى أن تهتم الجامعات المصرية برفع قدرات الطلاب على تحليل مضامين الخطاب المختلفة، والبعد عن التطرف فى التفكير، خاصة وأن هذا العصر يتيح الاطلاع على كافة المذاهب والعلوم بلا حدود، عقلية كانت أو نقلية، ومن كل مكان وملة من كافة أرجاء العالم.
لا شك فى أن الحاجة إلى تجديد النظر فى علم أصول الدين، باتت مسألة ملحة وضرورية؛ وأنها مسألة تحتاج إليها الأمة الإسلامية بشدة الآن، لأنّ الاختلاف بين المسلمين فى أصول الدين، يؤدى إلى الانقسام والإقصاء وربما التكفير أيضًا، ويزيد من النزوع إلى التطرف والإرهاب، وهو أمر يجب أن يدفعنا إلى انتهاج خطوات الإصلاح والتجديد فى الفكر الدينى، والتى أظن أنها يجب أن تبدأ من داخل الأزهر بالتحديد، وليس من أى مؤسسة أخرى، وهو أمر أتمنى أن يتبناه فضيلة الإمام شيخ الأزهر، بل وأن يتم اعتماده كإستراتيجية لمؤسسة الأزهر كاملة، فالطيب النجار عالم جليل مطلع على الكثير من الثقافات الغربية والشرقية، ويعلم تمام العلم أن هذا العصر يحتاج إلى الكثير من التجديد فى الفكر الدينى كله، وإلى الكثير أيضًا من التسامح ونبذ العنف ورفض خطابات الكراهية.