الدكتور حسن سلامة
فى الإطار نفسه، استدعى الموقف الذى يمر به العالم أجمع وسرعة انتشار الفيروس ومحاولات ملاحقته، العديد من المفاهيم التى تستحق أن نقف أمامها بالدرس والتحليل العميقين.
يأتى فى مستهل تلك المفاهيم، مفهوم الأزمة وصولاً إلى أسلوب إدارتها بالتطبيق على الحالة المصرية، ويشير مفهوم الأزمة فى العلوم السياسية إلى حالة تهديد مفاجئ غير متوقع يحمل درجة عالية من الخطورة فى مجال من المجالات، ويتسم بضغط الوقت وذيوع حالة من عدم اليقين.
وتنطبق تلك العناصر (التهديد المفاجئ، والخطورة العالية، وضغط الزمن، وحالة عدم التأكد، على موقف انتشار وباء كورونا، حيث يمثل موقفًا غير مسبوق أدى إلى شل حركة العالم أجمع، ويحمل فى ثناياه درجة عالية من الخطورة لصحة وحياة المواطنين وسط حالة من التخبط حول طرق مكافحته أو القضاء عليه.
هذه الأزمة العالمية تديرها مصر باحترافية، استدعت هى الأخرى العديد من مفاهيم علم السياسة، حيث كشفت محاولات احتواء الأزمة عن درجة عالية من المؤسسية، وهو المفهوم الأكثر ارتباطًا بالمؤسسات والخطط والكيانات وليس الأشخاص بذواتهم، فنجد اللجنة العليا لمكافحة الأزمات والكوارث فى حال انعقاد دائم برئاسة رئيس مجلس الوزراء، ونجد اللجنة القومية لمكافحة الأزمات والكوارث فى مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، ونجد اللجان التنفيذية على مستوى المحافظات المختلفة، هذا الترتيب المؤسسى ووضوح الرؤية وتوزيع المهام كان عنصرًا مهمًا فى تطويق الأزمة حتى اللحظة وتوفير سبل الوقاية ورفع نسب الشفاء رغم ضراوة الفيروس وسرعة انتشاره النسبية.
أضحت أزمة كورونا كاشفة عن معدن القيادة المصرية، ونشير هنا إلى مفهوم القيادة كأحد مفاهيم علم الاجتماع السياسى، إذ تجلت عناصر القيادة من سمات الكاريزما إلى المهارات الشخصية والقدرة على التوجيه والتعامل مع الجهات التنفيذية والمتابعة اللحظية والتقييم والتقويم، جميعها فى قيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى لمنظومة التعامل مع هذا الوباء حفاظًا على صحة المصريين جميعًا دون تفرقة.
ارتبطت أزمة كورونا باستدعاء قوى لمفهوم الدولة، ومن المعلوم أن ثمة جدلاً حول التعريف القانونى للدولة والتعريف السياسى لها، فالدولة بالمفهوم القانونى هى قطعة أرض يسكنها شعب وتحكمهم سلطة سياسية، أما المفهوم السياسى للدولة، فيشير إلى ذلك الكيان المحايد الذى يسعى إلى تحقيق مصالح المواطنين كافة، دون تمييز ولديه القدرة على الضبط فى مواجهة المخالفين للقانون المتفق عليه.
وما يعنينا فى إطار الأزمة هو التعريف الأخير، حيث تجلت عناصره فى تعامل الدولة المصرية ككيان سياسى لا يفرق بين المواطنين، ويسعى إلى تحقيق مصلحة مشتركة، وهى صحتهم جميعًا باعتبارهم ثروة هذا الوطن.
عاد مفهوم الدولة ككيان سياسى بقوة ممثلاً فى مجموعة من السياسات التى تحظر التجمعات وتعلق الدراسة، كما ظهرت هذه العودة فى متابعة المواطنين لبيانات الوزارات المعنية (الصحة، والتعليم، والتعليم العالى، وغيرها) باعتبارها جزء من السلطة التنفيذية ومصدر المعلومات الموثوقة فى رد بالغ الدلالة على أن الدولة كمفهوم وواقع سياسى مستمرة وباقية فى مواجهة كل محاولات الاختراق أو التدخل أو السيطرة أو انتقاص السيادة من أطراف وفواعل أخرى سواء أخذت شكل المنظمات الدولية أو الشركات متعدية الجنسية أو ما يطلق عليه المجتمع المدنى العالمى.
لا يمكن أن تكتمل محاور هذا المقال دون الإشارة إلى أمرين أساسيين مرتبطين بمفهوم الدولة، الأول يتعلق بما يسمى الدور الاجتماعى للدولة وهو ذلك المفهوم الذى يتجلى فى العديد من الدول التى تتبنى الطريق الثالث فى الاقتصاد فى إشارة إلى تبنى النهج الرأسمالى وما يتضمنه من الحرية الاقتصادية وتشجيع القطاع الخاص مع الأخذ - فى ذات الوقت – بأيدى الفئات الأكثر فقرًا وتوفير مقومات الحياة الكريمة لهم عبر شبكات الأمان الاجتماعى وبرامج الحماية الاجتماعية بمستوياتها المختلفة.
وعكست التجربة المصرية كل تجليات هذا الدور الاجتماعى من خلال القرارات التى اتخذتها القيادة السياسية لدعم القطاعات والفئات الاقتصادية المرشحة للتأثر بتداعيات كورونا من تخفيض أسعار الغاز والكهرباء للمصانع لحفزها على الاستدامة والتشغيل فى مواجهة التحديات الاقتصادية المتوقعة، وضم علاوات لأصحاب المعاشات لتوفير الحدود المقبولة للحياة الكريمة لهم فى سن التكريم والتقدير، ورفع الحجوزات الإدارية لكل الممولين الذين لديهم ضريبة واجبة السداد مقابل 10% فقط من الضريبة المستحقة، وتأجيل الاستحقاقات الائتمانية للشركات الصغيرة والمتوسطة لمدة 6 أشهر، وعدم تطبيق غرامات وعوائد على التأخير، وتوفير مليار جنيه للمصدرين خلال شهرى مارس وأبريل من العام الحالى لسداد جزء من مستحقاتهم وسداد دفعات إضافية بقيمة 10%، ومد وقف قانون الضريبة على الأطيان الزراعية لمدة عامين، ودعم البورصة المصرية بـ 20 مليار جنيه من البنك المركزى، وتخفيض أسعار الفائدة فى البنوك بقيمة 3%، وإعفاء الأجانب من الضرائب، خصوصًا فى القطاعات المتأثرة من الأزمة، والإعفاء الكامل لضريبة الدمغة والأرباح، تخفيض مصروفات البورصة.
أما الأمر الثانى، فيرتبط بمفهوم المشروعية القانونية، حيث تجلت أبعاد دولة القانون فى تعامل الدولة المصرية مع وباء كورونا من خلال الحفاظ على صحة المواطنين عبر مجموعة من الإجراءات مثل فرض حظر التجول الجزئى، وتقييد حركة وسائل النقل الجماعى العام والخاص وإغلاق تام للمقاهى والمطاعم والأندية ومراكز الشباب.
جاءت هذه الإجراءات فى سياق قانونى واضح تطبيقًا للقانون رقم 162 لسنة 1958 الذى ينظم حالة الطوارئ، حيث يبيح هذا القانون للقيادة السياسية اتخاذ الإجراءات الكفيلة بالحفاظ على صحة المواطنين فى حال انتشار الأوبئة والأمراض، وهو ما ينطبق تمامًا على حالة انتشار وباء كورونا خصوصًا مع إعلان منظمة الصحة العالمية وباء كورونا وباء عالميًا يستوجب اتخاذ إجراءات مكافحته.
تقييد حرية الانتقال الجزئى للمواطنين ليس غاية فى حد ذاته، وإنما هو أداة ووسيلة لحماية المجتمع، وهو أداة قانونية تلتزم بها الدولة المصرية انطلاقًا من مسؤوليتها فى تحقيق الصالح العام.
وهكذا تبقى التجربة المصرية نموذجا يلهم بالمزيد من الأفكار ذات الصلة بعلم السياسة، والتى ربما تكون موضوع مقالنا المقبل باذن الله.