أحمد محمود
هذه الأغنية تم تصويرها وعمل المونتاج لها عن بُعد بجودة عالية بالاستعانة بشبكة إحدى شركات الاتصالات المصرية، فى الوقت الذى تثور فيه التساؤلات حول اضطرار أصحاب الأعمال لإدارة أعمالهم عن بُعد فى المستقبل القريب، بسبب إجراءات الحظر الاحترازى واحتمال استمرارها لفترة أطول من المتوقع، وهو نفس ما دفع هذه الفرقة فيما يبدو لاستئناف نشاطها رقميًا، خاصة مع إمكانية تحقيق أرباح من خلال المشاهدات، تمامًا كما يفعل "مغنيو" المهرجانات الذين يحققون أرباحًا طائلة عن طريق عرض أعمالهم على موقع "يوتيوب".
جعلنى هذا الأمر أفكر فى حال الصحافة القومية، التى أصبحت تعانى الآن من مشاكل كبيرة بسبب إجراءات الحظر الاحترازى، وعلى رأسها نقص الإعلانات وربما اختفائها تمامًا، واضطرار معظم الصحف والمجلات القومية لتخفيض عدد صفحاتها، ناهيك عن اضطرارها لتخفيض أعداد المداومين على العمل خوفًا من انتشار الفيروس، وهو ما يستلزم أهمية التفكير فى تطوير بيئة عمل رقمية تسمح بممارسة المهنة عن بُعد، تمامًا كما فعلت فرقة مسار إجبارى الموسيقية بنجاح.
قد يظن البعض أن هناك فارق كبير بين ما قامت به الفرقة الموسيقية وبين ما يقوم به العاملون بالمؤسسات الصحفية القومية، إلا أنه فى الحقيقة لا يوجد فارق على الإطلاق، غير أن المؤسسات الصحفية القومية تحتاج لتنظيم أكثر وقدرات رقمية أعلى، بسبب كثرة أعداد العاملين لديها وتعدد أوجه نشاطها، ومع ذلك فإن الأمر سهل ويسير لو تم إعداد البنية الرقمية لتلك المؤسسات بشكل جيد وحرفى ومتطور، وأظن أن تقنيات الرقمنة قد تطورت عالميًا بشكل كبير وباتت أقل تكلفة أيضًا، وقد اضطرت الشركات العالمية فى هذه الأزمة إلى اللجوء للعمل من المنازل باستخدام التطبيقات الرقمية والفيديو كونفرانس، وهو ما حقق لها الأمان فى مواجهة كورونا، حيث لجأت إحدى كبريات الشركات الأمريكية للاتصالات لتطبيق نظام العمل من المنزل لموظفيها رغم أن عددهم يزيد عن 245 ألف موظف.
كتبت منذ فترة عدة مقالات عن أهمية التحول الرقمى للصحف القومية، واعتبار ذلك من ضرورات المستقبل، ورغم أن النقاشات لم تتوقف حول جدوى القيام بهذا التحول الرقمى مادامت الصحف الورقية باقية، بل ولم يحدث أية تطور فى ملف التحول الرقمى حتى الآن، إلا أنه حين ضرب فيروس كورونا العالم باتت مسألة التحول الرقمى حتمية، إذ لم يعد الأمر مجرد استشراف لمستقبل قادم لا محالة، لكنه أصبح ضرورة تتعلق بالحفاظ على المؤسسات ذاتها، ليست الصحيفة القومية فحسب، بل أيضًا المؤسسات كافة، صحفية كانت أو غير صحفية.
أظن أنه قد أصبح من الضرورى على الدولة الآن، أن تصدر توجيهات صريحة ومشددة لمؤسسات الصحافة والإعلام القومية، للعمل بقوة وبحسم وبسرعة أيضًا على استكمال خطة التحول الرقمى، وأن يتم ذلك بأقصى قدر من المهنية والتطور التقنى، وبحيث يمكن استئناف أعمال تلك المؤسسات عن بُعد، تحسبًا لاستمرار الحظر الاحترازى لفترات أطول من المتوقع، ذلك أن الرقمنة لم تعد مجرد خطة يتم النظر إليها كبديل عن الطرق الوظيفية الكلاسيكية، بل أظن أنها قد أصبحت "مسارًا إجباريًا" لكل الأعمال فى جميع أنحاء العالم، وأن هذا المسار الإجبارى قد بدأ بالفعل، وربما اكتمل فى العديد من المؤسسات الصحفية المصرية الخاصة، وبات على المؤسسات الصحفية والإعلامية القومية الإسراع فى سلوك هذا المسار قبل فوات الأوان.