البث المباشر الراديو 9090
الدكتور حسن سلامة
تكتسب استطلاعات الرأى أهميتها من كونها معبرة عن نبض الجماهير، فهى جوهر الديمقراطية وأساس الاستقرار المجتمعى، خصوصًا إذا وجدت مراكز محترفة تجرى هذه الاستطلاعات بأعلى درجة من المهنية والموضوعية، وتراعى الاعتبارت المنهجية والعلمية اللازمة لإجرائها.

وانطلاقًا من طبيعة استطلاعات الرأى العام التى تُبنى على عدة عناصر أساسية أبرزها وجود قضايا خلافية محورها الجدل والانقسام ما بين مؤيد ومعارض، مع خروج هذا الجدل إلى العلن ليتبلور الرأى، بالإضافة إلى حتمية أن تكون هذه القضايا حالية وعلى أجندة اهتمامات الجمهور المستطلع رأيه.

انطلاقا من هذه الاعتبارات جميعها، فإن أهمية استطلاعات الرأى وصولًا إلى الرأى العام، تزداد فى أوقات الأزمات التى تستدعى بالضرورة التعرف على آراء المواطنين باعتبار أن تلك الآراء "المؤيدة والمعارضة" تمثل دعمًا مجتمعيًا لازمًا لمؤسسات الدولة من ناحية، ومرشدًا لتقويم السياسات من ناحية أخرى.

وإذ تزخر مصر بالعديد من المراكز البحثية ذات السمعة الأكاديمية المتميزة، يأتى فى صدارتها أقدم تلك المراكز وهو المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية الذى يمثل قلعة بحثية حكومية، ويعود تاريخ إنشائها إلى منتصف خمسينيات القرن العشرين مع السنوات الأولى لثورة يوليو التى أمن قادتها فى وقت مبكر بالعلم والبحث العلمى ودوره فى التعامل مع قضايا المجتمع وإخضاعها لمجهر الفحص والتحليل.

ويضم المركز بين جنباته وإلى جانب أقسام أخرى متميزة، أقدم قسم لإجراء بحوث واستطلاعات الرأى العام والذى أشرف برئاسته، إذ تتنوع نشاطاته فى إجراء الاستطلاعات حول العديد من قضايا الرأى وقضايا الرأى العام،  كما يتنوع الجمهور المستطلع رأيه ما بين جمهور خاص يتناسب مع طبيعة القضية أو الموضوع ويختار وفق معايير وأسس علمية منضبطة، وجمهور عام بمختلف تنويعاته وسماته الديموجرافية من النوع والسن والتعليم والعمل والمنطقة السكنية، يمثل رجل الشارع العادى ويعتبر ممثلا لآراء الجمهور المصرى بأسره.

وجاءت أزمة  فيروس كورونا لتمثل تحديًا جديدًا للقسم الذى اعتاد على قبول التحدى بإجراء الاستطلاعات رغم الصعاب والمشاق التى قد يتعرض لها الباحثون لجمع البيانات من الميدان، وكعادته فى متابعة القضايا المجتمعية والتفاعل معها، كان القسم وإدارة المركز من ورائه ممثلة فى الدكتورة سعاد عبد الرحيم مدير المركز، داعمة ومساندة، كان سباقا فى إجراء استطلاع لرأى عينة من الجمهور الخاص فى تداعيات أزمة فيروس كورونا من خلال فريق بحثى ضم الدكتورة هبه جمال الدين عابدين، والدكتورة حنان أبو سكين وكاتب هذه السطور.

يمثل هذا الاستطلاع باكورة سلسلة من الاستطلاعات يعتزم القسم إجراؤها خلال المرحلة المقبلة وتفرضها روح التحدى لدى فريق العمل لمواكبة الأزمة ومساندة مؤسسات الدولة عبر منهجية علمية رصينة تجعل من المواطنين شركاء فاعلين فى إدارة هذه الأزمة عبر مساحة التعبير عن الرأى وبلورتها فى تحليل كمى وكيفى يساعد على ترشيد عملية صنع القرار.

تم إجراء الدراسة على عينة عمدية من الجمهور الخاص قوامها "140" مستجيبا موزعة على الفئات الآتية: "أطباء، أكاديميون، أعلاميون، خبراء اقتصاديون، مجتمع مدنى، أحزاب سياسية، أعضاء البرنامج الرئاسى لتأهيل الشباب للقيادة"، وبلغت نسبة الذكور 51.4% مقابل 48.6% للإناث، وقد توزع المستجيبون على الفئات العمرية بنسب متساوية تقريبًا، وبالنسبة للحالة التعليمية فقد غلب عليهم التعليم فوق الجامعى بنسبة بلغت 59.3% والمتعلمون تعليمًا جامعيًا 37.1 %.

تناولت أسئلة الاستطلاع ثلاثة محاور أساسية سنعرض لكل منها على الترتيب مع استعراض أبرز النتائج المرتبطة بالمحور:

المحور الأول: مصادر المعرفة بفيروس كورونا "كوفيد 19 المستجد" والمعلومات المتحصلة منها ومدى الثقة فيها:

  • جاءت مواقع التواصل الاجتماعى على رأس مصادر معرفة المستجيبين بفيروس كورونا وذلك بنسبة تفوق الثلث "38.6%"، يليها المواقع الإخبارية الإلكترونية بنسبة 21.4%، ثم القنوات التلفزيونية المصرية التابعة للدولة بنسبة 16.4%، وهو ما يعكس فعالية مواقع التواصل الاجتماعى كمصدر للأخبار وخطورتها فى آن واحد ويستوجب حتمية النظر فى تقنين استخداماتها حتى لا نترك الباب مفتوحًا أمام إساءة استغلالها.

  • كانت أكثر المعلومات انتشارا عن الفيروس فى رأى المستجيبين هى المعلومات الخاصة بسبل الوقاية وذلك بنسبة 82.1%، يليها المعلومات الخاصة بمعدلات الانتشار بنسبة 71.4%، ثم المعلومات العلمية عن الفيروس وتركيبه بنسبة 32.1%، فى حين تراجعت نسبة المعلومات المتعلقة بالفيروس كمصدر للصراعات الدولية وقد ذكر بنسبة 20.0%، وهى نتيجة تكشف عن درجة اهتمام المستجيبين بالمضمون الصحى للأزمة على ما عداه، فضلا عن تأثير برامج الوقاية والمؤتمرات التى تتناول أرقام الإصابات والشفاء وغيرها على المستجيبين.

  • وعن ماهية المعلومات التى تحصل عليها المستجيبون من المصادر التى ذكروها فقد كانت سبل العدوى وانتقال الفيروس على رأس تلك المعلومات بنسبة بلغت 90.7%، وكونه فيروسا قاتلا يصيب الجهاز التنفسى فقد ذكر بنسبة 90.0%، وأنه فيروس لا علاج له حتى الآن بنسبة 87.9%، وأنه فيروس يؤثر بنسبة أكبر على كبار السن والمصابين بأمراض مزمنة وقد ذكر ذلك بنسبة 82,9%، أما أنه فيروس تاجى الشكل وقد انتقل للإنسان من خلال بعض الطيور والحيوانات التى تمثل طعامًا لبعض الشعوب فقد قيل بنسبة 57.1%، بينما ذ كرت معلومة أنه فيروس مخلق كنوع من الحرب بين الدول بنسبة 51.4%.

  • وحول أهم المصادر التى يتابع من خلالها حاليا المستجيبون أخبار الفيروس جاء على رأسها التلفزيون المصرى التابع للدولة بنسبة 60.7%، ومن بعده مواقع التواصل الاجتماعى بنسبة 58.6%، ثم القنوات التلفزيونية الخاصة بنسبة 57.1%، يليها المواقع الإخبارية الإلكترونية بنسبة 45.0% فالقنوات الأجنبية بنسبة 30.0% ثم موقع وزارة الصحة المصرية بنسبة 22.9%، وهى النتائج التى تعكس استعادة القنوات التليفزيونية التابعة للدولة موقع الصدارة إبان الأزمة لدى المستجيبين، وهو الأمر الذى يحتم البناء عليه خلال المراحل المقبلة عبر تطوير جدى وبناء قدرات حقيقى.

  • وفيما يخص الثقة فى البيانات الرسمية الحكومية والتى تصدر عن وزارة الصحة، فقد أظهرت الاستجابات ارتفاع نسبة الثقة إذ أفاد 65 % من المستجيبين أنهم يثقون تمامًا، وقالت نسبة 28% أنها تثق إلى حد ما، بينما لم تتجاوز نسبة من أجابوا بعدم الثقة فى صحة تلك البيانات 5% من إجمالى المستجيبين.

المحور الثانى: الرأى فى الأداء الحكومى:

  • وحول تقييم اداء وزارة الصحة من وجهة نظر المستجيبين كشفت النتائج عن أن أكثر من ثلثى المستجيبين "67 %" تراوح تقييمهم لأداء وزارة الصحة ما بين ممتاز إلى جيد جدًا، فيما قيم قرابة ربع المستجيبين "23%" أداء الوزارة بأنه جيد، ويأتى هذا التقييم المرتفع لأداء الوزارة  فى ضوء الجهود المضنية التى يبذلها جيش مصر الأبيض لحماية صحة المواطنين ومواجهة هذا العدو الشرس.

  • 90 % من المستجيبين يؤيدون استمرار القوات المسلحة فى أداء دورها الداعم والمساند للأجهزة التنفيذية عبر عمليات التعقيم والتطهير باعتبارها الحصن والسند عند الملمات وموضع ثقة الشعب ومبعث طمأنينته.

  • 61.4% من المستجيبين وافقوا على فرض حظر شامل على حركة المواطنين كإجراء احترازى لمواجهة حدة انتشار وباء كورونا، خصوصا مع تصاعد معدلات الإصابة وبعد استطلاع رأى الأجهزة الطبية المعنية، وكانت المدة المقترحة لا تقل عن 10 أيام ولا تزيد على 3 أسابيع.

  • 38.6 % من المستجيبين لم يوافقوا على الحظر الشامل خوفًا من تداعياته الاقتصادية إذ لا يمكن تحمل فكرة الإغلاق الكامل للاقتصاد، خصوصا مع وجود فئات تكسب دخلها يوميا دون وجود مصدر ثابت أو دائم.

  • جميع المستجيبين تقريبا "98.6%" تابعوا الإجراءات الاقتصادية التى اتخذتها الدولة لمراعاة القطاعات الأكثر تضررًا من الأزمة بالنظر إلى حدة التداعيات الاقتصادية من ناحية وسرعة تحرك الدولة وشمول الإجراءات  لمختلف القطاعات من ناحية أخرى.

  • قرابة نصف المستجيبين "49.3%" قالت إن أهم قرار اقتصادى هو تقديم مبالغ مالية قيمتها 500 جنيه كإعانة لمدة 3 أشهر للعمالة غير المنتظمة، وهى الاستجابة التى تعكس أهمية الدور الاجتماعى للدولة، فالقرار وإن كان اقتصاديا إلا أن له مردوده الاجتماعى فى حماية هذه الفئات.

  • 21.7 % من المستجيبين قالوا إن تأجيل سداد أقساط القروض لمدة 6 شهور هو أهم القرارات الاقتصادية.

  • جاء القرار الخاص بدعم القطاعات المتضررة كالسياحة والطيران فى المرتبة الثالثة إذ قال به 19.6% من المستجيبين باعتبار أن هذه القطاعات تأثرت تأثرًا بالغًا من جراء الأزمة، خصوصًا مع توقف رحلات الطيران وعودة الأفواج السياحية إلى بلادها حتى إشعار أخر.

  • وقال 13 % من المستجيبين إن جميع القرارات مثلت حزمة متكاملة لا يمكن فصلها عن بعضها على اعتبار أن جميع المستفيدين من هذه القرارات يمثلون مكونات مهمة فى منظومة الاقتصاد الوطنى.

  • أما القرار الخاص بوضع حدود على السحب والإيداع لدى البنوك فقد قال به 10.1% من المستجيبين باعتبار أن هذا القرار يحافظ على السيولة المالية داخل البنوك.

  • النسبة الغالبة من المستجيبين "89.1%" قالت إن هذه الإجراءات كافية لحماية القطاعات الأكثر تضررًا فى الوقت الراهن لكن ذلك لا يمنع من اتخاذ قرارات إضافية مراعاة للمستجدات المحتملة.

  • وفى محاولة لتخفيف آثار الأزمة على العمالة غير المنتظمة قال 91.4% من المستجيبين إن أهم إجراء ينبغى أن تتخذه الدولة هو بناء قاعدة بيانات محدثة ومدققة تضم العمالة غير المنتظمة لتيسير عملية تشغيلهم مستقبلا، فيما قال 82.9% بضرورة صرف إعانات شهرية مؤقتة لهم لحين انتهاء الأزمة، وقال 40 % من المستجيبين إن تقديم الخدمات الصحية والتعليمية والتموينية للعمالة غير المنتظمة هو الإجراء الأفضل، بينما جاء الإجراء الخاص بضمهم إلى شبكات الأمان الاجتماعى بنسبة 29.3%.

المحور الثالث : تفاعلات المستجيبين مع الإجراءات الحكومية:

  • جاء فى صدارة الإجراءات التى يتبعها المستجيبون  للحماية، غسيل اليدين بالماء والصابون كلما أمكن ذلك بنسبة 90.7%، باعتباره إجراءً ميسورًا وفى متناول أى شخص.

  • تنوعت إجراءات الوقاية الأخرى ما بين البعد عن المصافحة والقبلات ونسبته 75.7%، وتغطية الفم والأنف عند السعال أو العطس مما يمنع انتشار الجراثيم والفيروسات 70.7 %، والامتناع عن الخروج والاستقرار فى المنزل 70.0%، وبفارق محدود عدم لمس الوجه خصوصًا الفم والأنف والعين 69.3%، ثم الامتناع عن استقبال أى زوار بنسبة 64.3%، واستخدام الكثير من المعقمات والمطهرات الشخصية والمنزلية 58.6%، يليه استخدام الكمامات والقفازات بنسبة 53.6 %.

  • قالت النسبة الأغلب من المستجيبين 75.8% إنها تعتقد أن إغلاق مراكز الدروس الخصوصية سيسهم فى القضاء على هذه الظاهرة مستقبلا وهى النسبة التى ضمت من يوافقون ومن يوافقون إلى حد ما، ويبررون ذلك بوجود بدائل مثل القنوات التعليمية والمواقع الإلكترونية التابعة لوزارة التربية والتعليم التى توفر المادة العلمية لجميع المراحل، فيما قالت النسبة الباقية 27.9% إن الظاهرة مستمرة نظرًا لارتباطها بثقافة الأسر ذاتها.

  • 80.7% من المستجيبين قالوا إن تجربة التعليم عن بعد فى التعليم الجامعى لها ميزاتها التى تسمح بتكرارها، خصوصًا إذا تم تحسين جودة البنية الرقمية وتأهيل أطراف العملية التعليمية جميعًا للاستفادة منها.

  • نصف المستجيبين 50.1% كان مستوى رضائهم مرتفعًا عن مجمل الإجراءات التى اتخذتها الحكومة للحد من انتشار الفيروس، فيما كان أكثر من ثلث المستجيبين 36.4 % متوسطى الرضا عن هذه الإجراءات.

  • جاء إغلاق المراكز التعليمية فى مقدمة القرارات التى يرضى عنها المستجيبون، وتلاه تعليق رحلات الطيران وإلزام العائدين من الخارج بدخول الحجر الصحى، وجاء بعده تعليق الأنشطة الرياضية وإنجاز الأعمال من المنزل عبر التطبيقات الإلكترونية وتناوب الموظفين فى الحضور منعا للزحام، ثم جاء قرار فرض حظر التجول، وإغلاق بعض الشواطئ فى الترتيب التالى، يليه إيقاف العمل بالبصمة الإلكترونية، ثم إغلاق أماكن العبادة ودور المناسبات ثم تأجيل سداد أقساط القروض.

  • 71.4 % من المستجيبين قالوا إن ممارسات المواطنين كانت داعمة لسياسات الدولة، بما فيهم من يرون بعض التحفظات على تلك الممارسات باعتبارها معرقلا للسياسات الحكومية، فيما بلغت نسبة من قالوا إن تلك الممارسات غير داعمة 28.6%.

  • النسبة الغالبة من المستجيبين "88.6%" قالت إن دور رجال الأعمال غير كاف فى هذه المرحلة، وذلك فى تأكيد على ضرورة تفعيل مفهوم المسئولية الاجتماعية لرجال الأعمال بصورها المختلفة.

  • فيما يتعلق بتداعيات الأزمة على العلاقات الاجتماعية داخل الأسرة، قال نصف المستجيبين تقريبا 49.3% أن العلاقات الاجتماعية ستتحسن، فيما اقتربت نسبة من قالوا إن كل حالة تختلف عن الأخرى من الربع "22.1%" وذلك مقابل 20 % من المستجيبين قالوا إنها فى سبيلها إلى مزيد من التدهور، وقالت النسبة الباقية وهى محدودة "7%" إن العلاقات ستبقى كما هى.

لا شك إن نتائج هذا الاستطلاع تحتاج إلى قراءة واعية فى الأرقام والنسب ذات الدلالة الكبيرة التى تعكس وعيًا لدى المستجيبين بحجم الأزمة وجهود مؤسسات الدولة لمواجهتها، كما أنها تكشف بجلاء مجددا عن أهمية إجراء مثل هذه الاستطلاعات تباعًا لتمثل جسرًا للتواصل بين مؤسسات البحث العلمى والأجهزة التنفيذية نعبر من خلاله إلى مستقبل أفضل.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز