البث المباشر الراديو 9090
أحمد عبد الحافظ
كلما انخفضت أسعار البترول العالمية تعالت الأصوات فى الداخل، مطالبة بخفض الأسعار داخليا بنفس النسب التى تم خفضها عالميا، ويبدو هذا المطلب منطقيا من الناحية النظرية؛ لأن ذلك يعنى انخفاض تكلفة عمليات الإنتاج وانخفاض تكلفة النقل سواء للمواد الخام أو نقل السلع والمنتجات للأسواق.

وهو ما يعنى انخفاض تكلفة بعض عناصر الإنتاج وانخفاض سعر بيع السلعة التى يتلقاها المستهلك فى النهاية، ولكن رغم معقولية هذه النظرية إلا أنها بعيدة تماما عن الواقع وبالأخص فى الحالة المصرية.

فمصر لا تزال سوق ناشئة تكتشف طريقها نحو آليات السوق الحر، وأهم هذه الأدوات على الإطلاق هى أدوات ضبط السوق وحماية المستهلك، وهذا باعتراف كافة قيادات الدولة.

ومن وجهة نظر برجماتية جدا، أرى أن تخفيض تكاليف الإنتاج على المنتجين والموزعين والمستوردين، لن يخدمنا كمستهلكين إطلاقا، لأن السوق تحكمه اعتبارات أخرى، ولن تتمكن الدولة من إلزام المنتجين والموزعين بخفض أسعار السلع والمنتجات بنفس القدر الذى خفضته لهم فى قيمة المحروقات، فى النهاية سيؤول انخفاض تكلفة الإنتاج إلى زيادة هامش الربح فى جيوب المنتفعين والحلقات الوسيطة الكثيرة التى تقف بين المستهلك والمنتج الأول للسلعة.

ربما الاستثناء الوحيد سيكون فى أسعار البنزين للسيارات الملاكى، ولا توجد طريقة لضمان خفض أسعار أجرة النقل الجماعى.

باختصار لن يستفيد المواطن متوسط ومحدود الدخل من خفض أسعار البترول إلا قدر يسير جدا، بينما ستظل غالبية السلع والخدمات بنفس أسعارها، بينما يعنى استمرار تسعير البترول بقيمة مقاربة لسعره أن يتم تحصيل فروق الأسعار لحساب الخزانة العامة للدولة ودعمها بمصدر غير تقليدى للأموال، على أن تقوم الدولة بتوجيه هذه العوائد مرة أخرى لدعم المواطنين وتنفيذ المشروعات القومية ذات التأثير المباشر على عملية التنمية مثل الشبكة القومية للطرق، أو دعم ضم شرائح جديدة لشبكة الضمان الاجتماعى خصوصا فى ظل أزمة وباء كورونا، أو دعم مشروعات سد العجز فى القطاع الصحى فى المناطق النائية والبعيدة، أو تمويل مشروع مثل خفض أعداد الطلاب قبل الجامعى داخل الفصول... إلخ.

هناك مئات الخدمات والمشروعات التى يمكن للدولة أن تقدمها لنا، وتحقق منافع مباشرة وسريعة بهذا الهامش فى أسعار البترول، إذا استطاعت الدولة توجيه هذه الفوائض بأفضل طريقة ممكنة، وستكون نتائجها أفضل كثيرا من المطالبة بخفض أسعار المحروقات، الذى لن يخدم إلا مصلحة فئة قليلة من المجتمع.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز