البث المباشر الراديو 9090
أحمد عبد الحافظ
قبل أربع سنوات أُجريت مقابلة صحفية مع جون كلوث، الرئيس السابق لبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية "بهابيتات"، وكان كلوث يشغل قبل انتخابه رئيسا للبرنامج الأممى منصب عمدة مدينة برشلونة، أحد أشهر المعالم السياحية على مستوى العالم داخل إسبانيا، الدولة التى لا تتوقف عن استقبال السياحة العالمية على مدار العام وفى جميع الفصول.

فى تلك المقابلة لخص جون كلوث، المدنية فى عبارة واحدة "المدنية هى رأس الحربة للوصول إلى التقديم، والمدينة هى سيادة القانون"، ظلت هذه العبارة تتردد فى أذنى مع كل خطوة تعلن عنها الحكومة نحو التطوير الحضرى والمخططات الاستراتيجية للتنمية العمرانية والتوسع فى تنفيذ المدن الجديدة.

وخلال الأسبوع الماضى شاهدت تعبيرا مثاليا للمدنية فى قلب القاهرة وتحديدا فى منطقة "وسط البلد" أو القاهرة الخديوية كما نطلق عليها الآن، كان جليا هذا المثال فى الصور التى تم تداولها بكثافة على الفيسبوك لواجهات العقارات التاريخية ذات الطراز المعمارى المميز، مصحوبة بعبارة "محافظة القاهرة استطاعت أن تلزم أصحاب المحلات بتوحيد شكل لافتات محلاتهم حفاظا على واجهات العقارات التاريخية وجمالها".

وتوقفت كثيرا أمام جملة "استطاعت المحافظة إلزام أصحاب المحلات بالواجهات الموحدة" ذلك هو التطبيق العملى لوجهة نظر مدير برنامج "هابيتات" بسيادة القانون على الجميع، وكأن الالتزام ظهر فى صورة وكأن الالتزام "جميل" ويبعث على التفاؤل والطاقة الإيجابية.

فالصور القديمة لشوارع القاهرة الخديوية قبل تطوير واجهاتها، كانت بالفعل صورا لا تعبر إلا عن العشوائية وعدم الالتزام وغياب القانون، كان كل صاحب محل ينفذ لافتات بألوان وتصميمات مختلفة عن من حوله، وكان هناك منافسة حادة بينهم على شكل الواجهات الأكثر جذبا للانتباه والألوان الأكثر اختلافا وسخونة وأكبر حجما، فبعض المحال كانت تضع لافتات بارتفاع طابقين، فى تشويه كامل لواجهات الطراز المعمارى المتميز للعقارات فى القاهرة الخديوية.

لم أكن أتصور أن أرى سيادة القانون والالتزام فى صورة جميلة ومبهجة، لم يخطر لى أبدا أن سيادة القانون بهذه الروعة، وهذه الصورة الحضارية الجميلة هى السر فى جاذبية المدن الجديدة، حجم الالتزام فى المدن الجديدة بتطبيق القانون والحفاظ على استخدامات كل مسحة لما خصصت له فى المخطط الاستراتيجى للمدينة هو ما يعطينا دائما انطباع بأن جودة الحياة فى المدن الجديدة أفضل من الحياة فى المدن القديمة، وهو ما ينعكس كثيرا فى الشارع المصرى من خلال تكرار عبارة "اللى عايشين فى المدن الجديدة بهوات" رغم أن المدن الجديدة بها جميع المستويات الاجتماعية والاقتصادية، ولكن النظام المتبع فى المدن الجديدة والالتزام به يعطى دائما انطباعا بأن سكان هذه المدن يحبون الالتزام.

وتعتبر هذه النظرة حقيقة إلى درجة كبيرة، فمن اعتاد على العشوائية وعدم الالتزام فى حياته وأصبحت نمط الحياة العشوائية مرتبط بمصالحه بشكل مباشر لا يتنازل عنها بسهولة، مثل الأسواق العشوائية والباعة الجائلين وجميع الأنشطة الخدمية والحرفية التى تنمو وتنشط على هامش الاقتصاد غير الرسمى.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز