البث المباشر الراديو 9090
أحمد محمود
أكتب هذا المقال وقلبى يعتريه غصة جديدة بعد سقوط عدد من شهداء الوطن يوم الخميس الماضى جنوب مدينة بئر العبد بسيناء، الذين يزودون عن الوطن الغالى، ويبذلون أرواحهم فداء للوطن، يحدث ذلك فى الوقت الذى تزداد فيه، برامج المقالب التى تقدمها الفضائيات فى شهر رمضان المعظم، والتى تزداد غرابة وفجاجة كل عام عن ذى قبل.

هذه البرامج تندرج تحت مسمى فنون الترفيه، وهو أى فعل أو حدث أو نشاط يقدمه شخص أو أشخاص بغرض الترفيه وتسلية الجمهور، تمامًا كما كان يفعل "مهرج الملك" ذلك الذى كانت وظيفته الأساسية هى إضحاك الملك، وتسليته وإدخال السرور عليه، سواء بالشقلبة، أو بإطلاق النكات، أو حتى بالقيام بالمقالب التى قد تطال بعض الحاضرين من البلاط الملكى، بل وتطال المهرج نفسه.

أمَا فى العصر الحديث، بعد أن اختفت شخصية "مهرج الملك"، نشأت برامج الترفيه للجمهور، وقُدمت على المسرح وفى برامج التليفزيون فى طابع كوميدى قد يتضمن أحيانًا بعض النكات أو المقالب أيضًا، وقدمته السينما فى صورة أفلام ترفيهية غلب عليها الطابع الكوميدى، وبرع فيها فنانون كبار نجحوا فى "ترقية" هذا النوع من الترفيه، ليقدموا مسرحيات وأفلام ومسلسلات كوميدية رائعة، لا زالت تضحك الصغار والكبار دون خدش حيائهم.

تُنفق الملايين على إنتاج برامج المقالب، ويستفيد منها قطعاً العاملون فيها، سواء طاقم الإنتاج أو النجوم الذين يشاركون فيها ويحصلون على أجور طائلة، وقد قيل إن أحد هؤلاء النجوم قد تقاضى مليونًا من الجنيهات، للظهور فى إحدى حلقات أحد هذه البرامج، وهو بالطبع لا يجد ضررًا فى ذلك، فلماذا يرفض مليونًا من الجنيهات فى بضع دقائق، مقابل القيام ببعض الشقلبة والصراخ والتظاهر بالفزع، إذ أن الأمر بالنسبة له تمثيل وترفيه.

والحقيقة أن استمرار هذا النوع من البرامج، وازدياد أعداد مقدميها، وإقبال الجمهور على مشاهدتها، يثير الكثير من التساؤلات حول مدى التراجع فى الإبداع فى وسائل الترفيه، وانتهاج أسلوب مبتذل فى الإضحاك، واعتماد أصحاب هذه البرامج على أفكار مكررة، أو منقولة من برامج أو أفلام أجنبية، تم تعريبها وإخراجها بطريقة تلائم المشاهد العربى، سواء من حيث اللغة أو طريقة المقالب نفسها، وهى تثير أيضًا التساؤلات حول التأثير النفسى والاجتماعى لهذه البرامج، على الصحة النفسية للجمهور من الأطفال بشكل خاص والكبار.

قد يتصور البعض أننى أهدف من هذا المقال لمنع هذه البرامج، وإن كنت أتمنى ذلك بالفعل، لكننى أدرك تمامًا أن منع هذه البرامج فى عصر السماوات المفتوحة قد يكون شبه مستحيل، ما أرجوه فقط هو أن يتم فحص هذه البرامج، وأن يتم تصنيفها تمامًا كما يتم تصنيف المسلسلات والأفلام، من حيث صلاحية مشاهدتها من الفئات العمرية المختلفة، وهو أمر ضرورى لتجنب تأثيرها الضار على سيكولوجية الأطفال والمراهقين، والذين قد يميلون لتقليد هذه المواقف، بما تحتويه من خطورة جمة عليهم وعلى ذويهم، بل وغالباً ما تكسبهم أخلاقًا تميل إلى العنف والسخرية من الآخرين.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز