أحمد عبد الحافظ
بغض النظر عن خفة الظل التى أعادت إنتاج عشرات النسخ الساخرة المضحكة، فثمة ما يجب تأمله فى الإعلان الذى لم يفعل شيئا سوى أنه طرح طريقة التفكير المسيطرة على الطبقة المتوسطة منذ عقود، ربما من الأفضل أن نفكر لماذا باتت الطبقة المتوسطة تبحث بكل ما أوتيت من قوة عن قوقعة تعزلها عن الطبقات الأدنى؟
منذ عشرات السنين عانت الطبقة المتوسطة صدمات اقتصادية واجتماعية متتالية، تسببت فى تقلص هذه الطبقة التى تعتبر صمام أمان المجتمع، فبرغم من أنها لا تتحكم بالوظائف العليا، أو الثروة، إلا أن الطبقة المتوسطة اعتادت أن تملك منظومة القيم التى توفر استقرارًا مجتمعيًا، توقر الكبير، وتعلى شأن العلم، تضع اشتراطات واضحة للترقى الطبقى، وتسمح السلالم الاجتماعية التى تقف عليها بصعود من يملك العلم، أو القدرة على إفادة المجتمع بغض النظر عن امتلاك المال.
على الرغم من إلغاء النظام الطبقى والألقاب فى الحقبة الناصرية، فإن هذه الطبقة المتوسطة ظلت تمارس نفس عملها بكفاءة واتسعت حدودها لتضم آلاف العمال وأبناء الفلاحين ممن تلقوا تعليما يسمح بانضمامهم لها، ثم الترقى إلى الطبقات الأعلى.
إنفوجراف : روشتة هانى الناظر .. 10 خطوات تحميك من كورونا
لم تعانِ الطبقة المتوسطة مشكلات ضخمة بسبب احترام الجميع للأعراف والقيم التى تحكم بها، قيم وأعراف تغنى عن دولة القانون ذاتها، فنادرا ما كانت تتطور الخلافات إلى الحد الذى تعجز فيها التقاليد عن حلها.. نادرا ما كانت صدامات الجيران وأهالى المنطقة الواحدة تجد طريقها لقسم البوليس، فهناك دائما كبار المنطقة التى يكن لهم الجميع الاحترام، ومثقفيها والمتعلمين يحكمون فى النزاعات قبل أن تتفاقم.
لكن الضربة القاضية للطبقة المتوسطة جاءت مع موجة الانفتاح فى عهد الرئيس السادات، التى سمحت بحالات من الترقى الطبقى بناءً على امتلاك الأموال، وبعيدا عن أى منظومة قيم أخلاقية واجتماعية، هذه الطبقة الجديدة التى توقر المال باعتباره القيمة الوحيدة، بات لها معكوس طبقى أيضا من الحالمين بالانضمام إليها، بأقل جهد وبلا قيم، يحلمون بامتلاك المال، عن طرق الفهلوة وتشغيل الدماغ.
صحيح أن هناك مجتمعات رأسمالية لا تحكمها قيم الطبقات المتوسطة المحافظة، والتى كثيرا ما تفتقر إلى القدرة على المواكبة، فإن هذه المجتمعات تمتلك منظومة أشد قوة وهى قوة القانون، التى تذوب تحت قبضتها أى فوارق طبقية أو اجتماعية أو اقتصادية.
فبغض النظر عن خلفيتك فإن ارتكاب أى فعل منافٍ للقانون يعرضك للمسائلة مهما كانت تفاهة هذا الفعل، أنت فى هذه المجتمعات لست مضطرًا لأن تخوض نقاشًا مع جيرانك حول أى تصرف منافٍ للقانون، هناك دائمًا القسم أو دائرة الشرطة التى تقوم بذلك عنك.
فيما لازلنا نحن نفضل الحكم العرفى، ونميل إلى العيش فى ظلال التقاليد، وفى هذه اللحظة غابت منظومة العرف والتقاليد بسبب انكماش الطبقة المتوسطة، وانهيار دورها التاريخى كسلم الترقى الطبقى وبات الحصول على الأموال حتى لو بشكل غير شرعى هو هذا السلم، ولم تتغلغل ثقافة اللجوء إلى القانون فى وعى المواطن بعد.
فأنت فى هذه اللحظة لو كنت طبيبًا أو معلمًا، لا يمكنك الاشتباك مع باعة الرصيف أو سائقى التوكتوك.. لا يمكنك التعبير عن رفضك لقيم العشوائية والفهلوة، فهم أكثر من أن تنتقدهم، وباتت غالبية الناس تتأقلم مع منظومة القيم الجديدة المخيفة، وتؤثر السلامة على الحق.
هنا من حق كل مواطن أن يبحث عن من هم يشبهونه، ومن سيحتكمون إلى نفس منظومة القيم، حتى لو كانت أساليبهم فى الترقى الطبقى مختلفة عن أسلوبه، ففى هذه المجتمعات المغلقة لازالت الطبقة المتوسطة تفرض بعض سيطرتها.