البث المباشر الراديو 9090
مريم عيد
أحوال البشرية هذه الأيام، وهى تعيش فى مفترق الطرق، فى ظلل انتشار فيروس كورونا المستجد، تذكرنى بعبارة الروائى البريطانى تشارلز ديكنز فى بداية رائعته "قصة مدينتين": "كان أفضل الأزمنة، وكان أسوأ الأزمنة"، لقد أعادتنا تلك الفترة إلى فترات حظر التجول فى أعقاب التحولات السياسية، البشر فى جميع أنحاء العالم مسجونون فى منازلهم، ولكنهم متواصلون مع بعضهم بالرغم من ذلك بصورة أفضل.

الأسوأ فى الموضوع هم الضحايا الذين يتساقطون واحدًا تلو الآخر فى كل مكان حولنا أو بعيدًا عنا، وبالطبع أشباح خطر الإصابة بالفيروس تطاردنا وراء كل باب، وفى الهواء الطلق، وحتى لو كنا بعيدين عن المناطق الأكثر كارثية، لكننا متواجدون بعيدًا تحت ظلال أشجارها الخضراء.

انتشار فيروس كورونا الكبير فى الصين غير مستغرب، لأنها كانت بدايته الحالية، أما إيطاليا فبدت وكأنها تحارب عدو خفى، فهل هذا العدو العابر للقارات سيتخذ قرارًا قريبًا، بتكثيف تواجده فى بلادنا؟ لا أتمنى ذلك.

أما الجانب الإيجابى للأزمة فهو السياسات الاحترازية التى انتهجتها الدول فى الحظر الجزئى، أو الكلى والتى نجم عنها إطالة فترات البقاء بالبيت، وعودة الحياة الأسرية الجميلة مرة أخرى.. أصبح شعار المرحلة "خليك فى البيت" وباللهجة الشامية "خليك بالبيت"، فما "أحلى الرجوع إليه" ما أحلى الرجوع إلى الحياة البيتية، أتوقع أن الأطفال فى تلك الفترة سيشبون أكثر تهذيبًا وأكثر اكتفاء عاطفى؛ لأنهم تشبعوا بفترات تواجد كافية مع آبائهم وأمهاتهم.

انتهى عصر السلامات الحارة إلى حين، المصافحة بالأيدى، العناق، التقبيل، وربما الجيل القادم الذى لم ينشأ فى أجواء الإجراءات الاحترازية، هو أول من سيبادر بالسلام علينا فى المستقبل القريب ليعيد ذكريات مودة وعادات قديمة.

بالنسبة للأشخاص الحريصين على اتباع قواعد النظافة، أو حتى "الموسوسين"، لن يجدوا اختلافًا كبيرًا فى طقوسهم اليومية، بل إن الأزمة الحالية زادتهم إدراكًا بقيمة ما كانوا يفعلونه طيلة حياتهم، بعض المهتمين بإتمام إجراءات النظافة الشخصية، وإتقان كافة اللمسات الدقيقة لها، وأنا واحدة منهم، كانوا موضع اتهام من البعض بالوسوسة، أما الآن فقد أصبح هذا هو المطلوب بالتحديد فى زمن كورونا، فما نعيشه الآن ليس غريبًا أو جديدًا على نظام حياتهم اليومية.

الحياة خارج البيوت أصبحت ألوانها باهتة حتى لو بعض الأيام مشمسة ولكن الشمس ذاتها تلونت بلون كورونا، وأصبح مشكوكًا فى مدى فاعليتها وتأثيرها، انتقلت الشمس إلى الحياة العائلية التى أصبحت أكثر إشراقًا وأكثر دفئًا.

الحياة عمومًا أصبحت بلا طعم، أصيبت بأحد أعراض فيروس كورونا وهو فقدان حاسة التذوق، الحياة أصبحت بلا طعم، ولكن أصبح لها معنى.. كثيرًا ما كنا نسمع عبارة "العالم أصبح قرية صغيرة" ولكننا لم ندرك معناها أو نستشعره سوى فى تلك الأيام، أصبح العالم "قرية كونية" وإذا كنا متشائمين فهو "قرية كونية منكوبة".. لا نعرف تحديدًا ما الذى تخبئه لنا الأقدار فى الأيام القادمة، هل سنشهد انحسار المرض، أم تفشى الوباء؟ المشكلة القائمة الآن والتى توجب الحذر دائماً هو أن بعض الأشخاص يكونون "Asymptomatic" أى بدون أعراض ظاهرة، هؤلاء يمكنهم نقل الفيروس إلى آخرين ربما يضارون بدرجة أكبر ممن انتقل إليهم عن طريقهم.

شهدت الفترة أيضا ظهور إستراتيجية "العمل من المنزل" فى الكثير من المؤسسات والأجهزة والقطاعات، والتى من الممكن تفعيلها بدرجة أكبر وبصورة ذات أهداف وأكثر تنظيمًا فى الفترة القادمة، حتى فى الفن فى الدول الأكثر إصابة أعيد إنتاج العديد من الأعمال الفنية والأغنيات والأفلام من منازل النجوم والفنانين، ويطلق على كلًا منها إصدار الكوارنتين أو نسخة الحظر الصحى.

الجيش الأبيض نال تحية وتصفيق الجميع فى مصر وحول العالم، فى مصر تمت مكافأتهم جميعًا وزيادة رواتبهم، البعض القليل للغاية والذى لا يعبر عن المجموع، أخذ إجازات طويلة ليتعمد الغياب عن المشهد بتحريض من جهات مشبوهة لإضعاف الرعاية الصحية فى مصر.. يظهر الأمير تشارلز وزوجته كاميللا باركر، والأمير وليام وزوجته الأميرة كيت وأولادهم الثلاثة فى مقاطع فيديو وهم وقوف ويصفقون للأطقم الطبية فى بلدهم.

الحكومات الآن ليست بصورتها الديمقراطية ولكنها تحظى بطاعة الجميع، ربما عدم شفافية النظام الاشتراكى فى الصين كانت سببًا فى الأزمة من البداية؛ بإخفاء وجود المرض فى نهايات 2019 حتى تفشى فى 2020 لكن الصين أبلت بلاءًا حسنًا بعد ذلك فى درء شبح المرض.

كما أصبحت الرأسمالية بالطبع مضارة، وبما أن الربح هو وسيلتها لتحقيق الصالح العام فهى تحاول جاهدة تعويض خسائرها، العمالة اليومية التى تعتمد على الكسب بصورة يومية أو موسمية تعانى فى تلك الأيام الأمرين، لكن الموظفين ذوى الأنظمة التأمينية التى أكسبتها إياهم قوانين العمل التى تنتهجها الدولة هم الأكثر حظًا فى تلك الأيام.

فإذا كنت موظفًا، وتتمتع بكامل صحتك، ويتمتع أبناؤك وآباؤك وإخوتك وكل أقربائك ومحبيك بكامل صحتهم، وإذا كان لديك ما يكفى من المال للإنفاق على حياتك، أثناء جائحة كورونا تستطيع أن تعتبر نفسك من السعداء فى تلك القرية الكونية التعسة.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز