البث المباشر الراديو 9090
الدكتور محمد فياض
بابتسامة صفراء ومُحن لا تقوى على تحمله، وبشخصية إخوانية الملامح والتركيب والهوية والتاريخ والنشأة يلقى على مسامعك هذه الجملة القصيرة أنا مش إخوان، بس كده، إعصار من التدليس والخداع قوامه ثلاثة كلمات أنا مش إخوان، وكأنه بهذه الكلمات استطاع غسل سمعته السياسية القذرة وتاريخه، وفكره، وعقيدته، والله يشهد إن المنافقين لكاذبون.

وكما تحدثناً سابقاً عن التقية الإخوانية نتحدث اليوم على صنف أكثر تبجحاً، صنف عاش إخوانياً وصُنف إخوانياً عبر عقود من عمره وما إن إستفاقت الدولة وشمرت عن ساعديها لتضرب كل متطرف لا يؤمن بمفهوم الدولة وقدسية حدودها، وحرمة ترابها، حتى ظهر هذا الصنف الذى بات أمسه فى رابعة مرتدياً ملابسه الجديدة، مردداً شعارات الوطنية وبإخلاصه للدولة المصرية متغنياً بعظمة مؤسساتها، وبأمجاد وبطولات الجيش والشرطة قائلاً لك أنا مش إخوان، أو فى رواية أخرى والله أنا لا عمرى كنت إخوانى ولا عمرى احترمتهم، كنت مخدوع فيهم، دى كانت مصالح "كل هذه المفردات الجبانة التى ينطقون بها كذباً وتلوناً، ليس خوفاً ولا تقية فقط ولكن بكل تبجح ليتناغموا مع السياق العام للدولة، فتجد من تعرف أصله وفصله الفكرى والسياسى متلوناً كحرباء عله يستطيع أن ينال مغنماً أو منصباً ليوارى به سوءات نقصه.

هل تساءلت يوماً عزيزى القارىء أين ذهب معتصمى رابعة، هل تساءلت يوماً أين ذهب من صوتوا للمعزول مرسى فى الجولة الأولى، وهؤلاء الذين وقعوا توكيلات لحازم صلاح أبو إسماعيل، هل رأيت القطيع الضخم الذى سار فى جنازة الإرهابى عمر عبد الرحمن، أين ذهبوا بعد انتهاء تشييع جثمانه، أين هؤلاء الآن؟

بعضهم بالطبع أعلن عن وجهه المتطرف فصار إما هارباً أو مداناً بحكماً قضائياً، وبعضهم شارك فى عمليات إرهابية قذرة بغدر وخسة فنال ما يستحقه من قصاص عادل، ولكن هناك طرف خفى رجع بكل بساطة وهدوء إلى بيته، هذا الطرف الخفى الذى يتلون اليوم مخبئاً قلبه عن هوية ومتبرئاً منها وهى أقرب إليه من حبل الوريد.

انظر معى عزيزى القارىء إلى ما قالته الأم الروحية للتطرف النسائى فى مصر زينب الغزالى فى كتابها أيام من حياتى "أنه بعد صدور قرار حل الجماعة من جمال عبد الناصر انتهى رأيهم أن قرار الحل باطل لأن عبد الناصر ليس له أى ولاء ولا تجب له طاعة على المسلمين، حيث أنه يحارب الإسلام ولا يحكم بشرع الله تعالى .. ولما كانت جماعة الإخوان المسلمين نشاطهاً معطلاً بسبب قرار الحل الجاهلى لسنة 1954 كان ضرورياً أن يكون النشاط سرياً، وكان الاتفاق بين هؤلاء الزومبى وقتها أن يقوم أحد أتباعها بعملية استكشاف على مستوى مصر كلها، على مستوى المحافظة والمركز والقرية، والمقصود من هذا أن نتبين من يرغب فى العمل من المسلمين ومن يصلح للعمل معنا .. وغرضنا هو تكوين المجتمع السليم الذى سيجد نفسه بالضرورة مفاصلاً للمجتمع الجاهلى " وبيت القصيد هو هذه الكلمة المفخخة من يصلح للعمل، بالطبع أنتم تعرفون من يستطيع القيام بهذا العمل قديما ًوحديثاً.

بالطبع من كانوا يصلحون لهذا العمل وقتها هم من يصلحون لهذا العمل الآن، هم من صوتوا لمرسى فى الجولة الأولى، ومن وكلوا حازم صلاح أبو إسماعيل، من اعتصموا أمام مدينة الإنتاج الإعلامى، ومن حضروا جنازة عمر عبد الرحمن، من قالوا لك قديماً أنا مش إخوان بس بحترمهم، من عادوا إلى بيوتهم بعض فض إعتصام رابعة، هم موجودين لم يتبخروا بالطبع، هؤلاء الزومبى الذين يتعايشون فى هذا الوطن متمتعين بدعمه وأمنه واستقراراه، متمتعين بكل حقوق المواطن المصرى الصالح رغم كونهم غير صالحين، لا تجد فى شاشات بيوتهم إلا قنوات الغل والتدليس المتطرفة، يتلذذ طيلة ليلته بصور شهداء الجيش والشرطة، وفى الصباح ينعيهم على صفحات التواصل الاجتماعى، يمارس حياته كمواطن طبيعى ليتكيف ويعيش فى فترة العمل السرى فى المجتمع الجاهلى حالماً مرة أخرى بعودة طائر النهضة وبرؤية مؤخرته المقدسة تحلق فى السماء لتُسقط عليه فضلات التمكين علها تكسوا حلم دولة الخلافة مرة أخرى.

ومن حسن حظ هؤلاء الأفاقون أن هذه الدولة برئيسها وأجهزتها تمارس السياسة بشرف، شرف لم يعهده هؤلاء، شرف يمنعها أن تبيد مساحات يقطنها متطرفين قتلة بضغطة زر لو شكت أن هناك طفل واحد يقطن هذا المكان، شرف يمنعها أن تمارس محاكمات فكرية رغم أن ألمانيا مثلاً لم تنهض إلا بعد أن تخلصت من كل رواسب الفكر النازى وتتبعت كافة معتنقيه، شرف جعلها تترك كل إخوانى فى عمله يتقاضى راتباً من دولة يكفر بكل ثوابتها ، ينال دعماً من إقتصادها الذى يتمنى خرابه، وحماية من جيش وشرطة ينعتهم داخل قلبه وعقله بأنهم من الطواغيت.

وفى الأخير فإن فطنة هذا الشعب أكبر من أن تنطلى عليها ظاهرة تلون الحرباء، فنحن شعب نعى درس التاريخ بإمتياز، لا ننسى من أساء ومن سَخِر ومن تمنى سوء لهذا الوطن، مطمئنين أن هذه السمعة السياسية المتعفنة قد تحجر تعفنها ، وأن هذا الماضى المُلطخ بالوساخات الفكرية والسياسية لن يقوى على تطهيره تلون ولا انتحال ولا أقنعة زائفة.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز