الدكتور حسن سلامة
تواكب ظهور هذا المصطلح مع دعوة وجهها رئيس الوزراء البريطانى بوريس جونسون إلى اتباع هذه الاستراتيجية لمواجهة فيروس كورونا داخل بلاده.
فماذا تعنى "مناعة القطيع"؟ وهل هى ناجحة فى مواجهة الفيروس؟ وهل هناك تجارب دولية فى اتباعها؟
تعريف المناعة الجماعية:
تستند استراتيجية "مناعة القطيع" إلى ممارسة الحياة بشكل طبيعى بحيث يصاب معظم أفراد المجتمع "60- 80 % منهم" بالفيروس، وعند ذلك تتعرف أجهزتهم المناعية على الفيروس وتحاربه إذا ما هاجمهم الفيروس مجددًا.
وتعتمد سياسة "مناعة القطيع" فى التعامل مع تفشى كورونا على تكوين "مناعة جماعية" بين السكان فى حال تفشّى الفيروس ببطء. كما تعتمد على مواجهة "غير مشددة" للفيروس، وترتكز فكرة "مناعة القطيع" على حماية الأفراد المعرضين للخطر من العدوى بشكل أساسى.
ويُنظر إلى "مناعة القطيع" عادة على أنها استراتيجية وقائية عند ظهور مصل أو لقاح، لكن إذا لم يكن هناك لقاح للمرض، كما فى حالة "كورونا"، فإن تحقيق مناعة القطيع قد يدفع بنسبة كبيرة من السكان للإصابة والتعافى، وفق تأكيدات المعهد الوطنى البريطانى للحساسية والأمراض المُعدية.
وعلى عكس التطعيم، فإن "مناعة القطيع" لا تعطى مستوى عاليا من الحماية الفردية، وبالتالى فهى ليست بديلا جيدا للقاح.
مدى فعالية المناعة الجماعية فى مواجهة الفيروس:
قال المدير التنفيذى لـ"برنامج الطوارئ الصحية" لمنظمة الصحة العالمية، إن مفهوم "مناعة القطيع" خطير ومأخوذ من علم الأوبئة البيطرية، إذ يهتم الناس بالصحة العامة للقطيع، ولا يهم الحيوانات الفردية هذا المعنى، لكن البشر ليسوا قطعانا – حسب قوله- وأشار إلى أن العالم بحاجة إلى توخى الحذر عند استخدام المصطلح، لأنه يمكن أن يؤدى إلى عملية حسابية وحشية للغاية لا تضع الناس والحياة والمعاناة فى بؤرة تلك المعادلة.
من جانبهم، شكك أطباء بريطانيون فى فعالية هذه الاستراتيجية، فمناعة القطيع قد لا تكون فعالة فى مواجهة فيروس كورونا، نظرا لتطور الفيروس جينيا، الأمر الذى قد يحتاج إلى طرق جديدة لمكافحته.
فى المقابل أشار علماء الأوبئة والأمراض المعدية فى اسكتلندا إلى ان مفهوم مناعة القطيع هو "أساس جميع برامج التطعيم"، ويمكن أن تحدث بشكل طبيعى إذا ما تعرض عدد من الناس للعدوى، حيث يفرزون أجساماً مناعية مضادة تحد من قدرة الفيروس على الانتشار على نطاق واسع، رغم أنها لن تكبح تماما تفشى الفيروس أو تمنع انتشاره بشكل كامل، خصوصا فى المجتمعات التى لم تكتسب المناعة بعد.
وعلى الرغم من تناقض الرأى الطبى حول فعالية مناعة القطيع، شرعت عديد من الدول فى الترويج له، خصوصا مع غياب موعد محدد للقاح "المصل" المضاد للفيروس من ناحية، والتأثيرات السلبية لعمليات الإغلاق التام التى انتهجتها كثير من الدول كإجراء ضرورى للحفاظ على صحة مواطنيها من ناحية أخرى.
ولعل استعراض التجربتين الهندية والفرنسية قد يكون مفيدًا فى الانحياز لوجهة نظر معينة مع ما يترتب عليها من إجراءات السلامة الصحية.
الهند وبداية طريق الإصابة :
تم الإعلان عن تسجيل أول إصابة بفيروس كورونا فى الهند فى الثلاثين من يناير 2020، وحتى الأول من مايو، تم تأكيد ما مجموعه 35165 إصابة بالفيروس، مع تسجيل 1152 حالة وفاة فى الوقت الذى تواصل فيه البلاد إجراءات الإغلاق الوطنى غير المسبوقة.
وقد تبدو هذه الأرقام منخفضة نسبيا مقارنة بمثيلاتها فى البؤر الساخنة فى أوروبا وأمريكا الشمالية والجنوبية، إلا أنها قد لا توضح الصورة الحقيقية فى البلاد.
فحتى الآن، لم تجر الهند سوى 654 902 اختبارا للإصابة بالمرض، وهو ما يعادل حوالى 694 اختبارا لكل مليون شخص، وهو واحد من أدنى المعدلات لإجراء فحوصات الإصابة على المرض فى دول العالم.
مناعة القطيع ومحاولة المواجهة والسمات الديموجرافية للسكان:
قد تبدو استراتيجية مناعة القطيع مثالية التطبيق فى الهند أخذا فى الاعتبار أن معظم سكان الهند من الشباب "أكثر من 80 % أقل من 44 عاما"، مما يعنى أن فئة الشباب الأقل عمرًا لن يكون لديهم ردة فعل شديدة عند الإصابة بالفيروس، إلا أن ذلك الافتراض "شكلى ومثير للجدل"، لأن التقارير الطبية تشير إلى أن العديد من الشباب الهنود فى حقيقة الأمر يعانون أمراضا مزمنة وظروفا قاسية يمكن أن تؤدى إلى حدوث مضاعفات خطيرة لدى تلك الفئة، وبالتالى الوفاة إذا أصيبوا بالوباء.
وتشير الأرقام إلى أن نحو 40 % من البالغين الهنود الذين تتراوح أعمارهم ما بين 45 و54 عاما، و22 % ممن تتراوح أعمارهم بين 20 و44 عاما يعانون ارتفاعا فى ضغط الدم، كما يعانى رسميا ما يقرب من 4 % من البالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و44 سنة من مرض السكرى من النوع الثانى.
وكذلك يعانى 2.1 مليون شخص من الإصابة بفيروس نقص المناعة، 83 % منهم تتراوح أعمارهم بين 15 و45 سنة.
يضاف إلى كل هذا انتشار أمراض رئوية مزمنة والربو بين البالغين بنسبة 4.2 و3 % على التوالى، ناهيك عن أن حوالى ثلث البالغين فى الهند هم من المدخنين مما يضعف مناعتهم وقدراتهم على انتاج اجسام مضادة لمواجهة الفيروس.
ومع ارتفاع معدلات الأمراض وعوامل الخطر بين الشباب فى الهند، فإن السماح للفيروس بالانتشار من أجل استراتيجية تجريبية لتكوين "مناعة القطيع" يمكن أن يؤدى إلى دخول مئات الآلاف من الأشخاص إلى المستشفيات والعناية المركزة مما يمثل انهاكا للنظام الصحى.
وعلاوة على ذلك، فإن السعى إلى الحصول على تكوين مناعة القطيع بين السكان الأصغر سنا لا يزال يتطلب حماية كبار السن، خصوصا وأن حوالى 50 مليون هندى فوق سن 65 عاما، وهو ما يثير مسألة كيفية عزل الأكبر سنا الذين يعيش العديد منهم فى منازل أفرادها متفاوتون فى السن، لا سيما فى المناطق الريفية من البلاد التى تعانى ظروفا اقتصادية حادة لا تكفل توفير الأغذية السليمة والضرورية لتكوين المناعة.
يرتبط بما سبق الإشارة إلى أن الاعتماد فقط على استراتيجية مناعة القطيع يمكن أن يؤدى إلى تبعات خطيرة، خصوصا لدى الشباب الذى يتسم بحكم الفئة العمرية بالحيوية والميل إلى عدم الالتزام بالقيود وهو ما يجعل امتثالهم لتدابير التباعد الاجتماعى مشكوكا فيه، على الرغم من أن هذه الاستراتيجية قد تبدو الطريق الأسهل للحكومة للخروج من إجراءات الإغلاق الحالى، وبالتالى ربما تقلص من مدى استجابة الحكومة للمتطلبات الصحية فى المناطق الأخرى.
الهند والبحث عن حل:
ربما تكون الهند كدولة متعددة الأديان والمستويات الإدارية والاقتصادية والاجتماعية فى حاجة إلى استدعاء نهج مركزى يفرض على الحكومة المركزية وحكومات الولايات تنفيذ استراتيجية إجراء اختبارات دقيقة تنتقل من نهج مستهدف يركز على الأفراد المعرضين لمخاطر عالية إلى اختبار مجتمعى جماعى كحل بديل لاستراتيجية مناعة القطيع.
ولعل هذا النهج المقترح يمثل ضرورة حتمية فى ضوء اقتصار معايير معايير الاختبار فى الهند على الأفراد الذين قاموا بالسفر إلى المناطق الموبوءة بالفيروس، غير أن السفر للمناطق الساخنة كمعيار لا يمت بأى صلة للإصابة فى هذه المرحلة، لاسيما وأن البلاد أغلقت حدودها الدولية قبل أسابيع.
وتشمل الفحوصات الأفراد ممن كانوا على اتصال بالمصابين والمرضى الذين يعانون من أمراض الجهاز التنفسى، بالإضافة إلى العاملين فى مجال الرعاية الصحية الذين يعانون من أعراض المرض. ولعل فى التجربة المصرية ما يمكن الاسترشاد به عبر تبادل الخبرات نظرًا لتشابه الظروف، خصوصا فيما يتعلق بالهرم السكانى.
فرنسا واستراتيجية مناعة القطيع:
يقترب الفرنسيون من دخول المرحلة الثانية من رفع اجراءات العزل الصحى، التى تتزامن مع حلول موسم العطلات الصيفية، فيما تتعامل السلطات الصحية بحذر شديد مع رفع الحجر بسبب استمرار وجود احتمالية تفشّى موجة ثانية من الوباء، وذلك على الرغم من التفاؤل الذى يبديه بعض علماء الأوبئة ممن يعوّلون على الوصول السريع إلى "المناعة الجماعية"، بفضل العودة التدريجية إلى الحياة الطبيعية.
من جانبه، اعتبر معهد "باستير" الفرنسى، أن ما توصلت إليه الدراسات بشأن فعالية محتملة للمناعة الجماعية، اعتبرها "نقطة مطمئنة" لأنها تثبت على الأقل إمكانية مقاومة الأجسام المضادة لخطر انتشار العدوى، وأن تحديد الأجسام المضادة يمكن أن يسرع بإيجاد علاج فعّال، ما يعزز هذه الاستراتيجية، ويُقَدّر المعهد أن بإمكان نحو 70% من الفرنسيين الاستفادة من "المناعة الجماعية" عن طريق العدوى الطبيعية أو التطعيم.
وعلى الرغم من التفاؤل الكبير الذى يُظهره بعض العلماء، إلا أن الفرنسيون لا يغفلون خطورة مفهوم "مناعة القطيع" فى ضوء ما تؤكده دراسات أخرى من إمكانية تجدد الإصابة بفيروس كورونا خلال 6 أشهر، مما يخلق مزيدًا من الشكوك حول فعالية اختبارات الأجسام المضادة ويفنّد الدفوع المقدّمة للضغط من أجل إصدار جوازات مناعة "إذا جاز التعبير" كدليل على الشفاء من المرض.
ولذلك حذرت منظمة الصحة العالمية الحكومات من استخدام "جوازات المناعة" لتخفيف الإغلاق لمجرد أن حاملى الجوازات طوروا أجساما مضادة لفيروس كورونا الجديد، نظرًا إلى أن المناعة الواقية من فيروس كورونا قصيرة الأمد.
المناعة الجماعية وكبار السن فى فرنسا:
تُضاف إلى ما سبق، حقيقة خطيرة تتمثل فى أن كبار السن يشكلون حوالى ربع المجتمع الفرنسى، ويحملون بداخل أجسامهم أجهزة مناعية أضعفها الزمن، مما يزيد من مخاوف المناهضين لتطبيق استراتيجية "مناعة القطيع"، التى لم تثبت نجاحا فعليا فى السويد، حيث كانت دور المسنين أكثر المتضررين من وباء كورونا، مما دفع الدولة إلى الإقرار بفشلها فى حماية كبار السن فيها، وهو الأمر الذى أثار رعب البريطانيين وجعلهم يتراجعون عن اتباع هذه الاستراتيجية التى كان يُرجّحها رئيس الحكومة بوريس جونسون فى بدايات ظهور الوباء.
من ناحية اخرى، إذا كان الباحثون الفرنسيون يشيرون إلى ضرورة أن يكون 65% تقريبا من السكان حاملين للأجسام المضادة، كشرط للسيطرة على الجائحة بواسطة المناعة الطبيعية وحدها، فإن فرنسا لا تزال بعيدة جدا عن هذا الرقم بنسبة إصابات لا تتعدى 5% من المجتمع الفرنسى.
وتنطبق هذه الحقائق على جميع دول العالم التى لم يقترب أى منها من مستويات المناعة اللازمة لمواجهة المرض، وذلك على الرغم من ملايين الإصابات، ففى ووهان الصينية نفسها، تم اختبار آلاف الأشخاص المتعافين بحثًا عن أجسام مضادة، ووجدت النتائج الأولية أن 2 إلى 3 % فقط طوّروها.
ونخلص مما سبق وباستقراء تلك التجارب جميعها أن "مناعة القطيع" لن تكون وحدها كافية لتجنب موجة ثانية من الوباء عند تخفيف إجراءات العزل العام، خصوصا وأن تطبيقها مرتبط بسمات ديموجرافية وقيم ثقافية قد لا تتوافر فى العديد من المجتمعات، فضلا عن الاعتبارات الصحية التى قد تستلزم فترة زمنية ليست بالقليلة، وهو ما يفرض الانتباه والحذر والتحسب من احتمالات العودة إلى إجراءات أشد قسوة، خصوصا إذا ما واجهت دول العالم هذه الموجة الثانية من الوباء والتى قد تكون متحورة ومتطورة.
كما يفرض أيضا مزيدا من التفكير الجدى الجماعى نحو تطوير سريع للقاح يمثل الحل الأفضل لمواجهة هذا الوباء، خصوصا وأن مناعة القطيع تبقى حتى اللحظة فرضية بلا إجماع حقيقى.