دكتور محمد فياض
هكذا يفهم جيدا كل من يقرأ أحداث التاريخ أن هذه المفردات لصيقة ومرافقة لكل أحداث الأوبئة التى عصفت بالتاريخ، والأدهى أنك تجد فى كثير من الأحيان سلطات تنأى بنفسها بعيدًا حتى لا ينال منها الوباء وتترك شعوبها فريسة له، وتمر الجائحة وينتهى الوباء لتجد بلدا مهترئا جائعا يتطلب سنوات طويلة من إعادة البناء النفسى والاقتصادى والاجتماعى، وعبر تاريخ الأوبئة تكون الفوضى هى المشهد الرئيسى، ترتخى يد الدول وتُنهك، ويفتقد المشهد إدارة حكيمة للأزمة، ولكن الرئيس عبد الفتاح السيسى لم يرتضى هذه الحتمية التاريخية وكان له رأى آخر.
كان رأيه أن هناك دولة تفهم جيدًا معنى التخطيط الإستراتيجى وإدارة الأزمة، دولة أدركت أنه لمثل هذا اليوم فليعمل العاملون، فقدم النموذج الأمثل لإدارة الأزمة، فكان الدعم الغير محدود للنظام الصحى، والتعليمى، والاقتصادى، وعلى مستوى التضامن الاجتماعى وتأجيل لأقساط القروض، ومنح مالية للمتضررين، وسلع مدعمة، لم نشعر فى هذه الأيام البائسة بعجز فى سلعة ولا فى دواء ولا فى وقود، لم تتأخر الرواتب، ليس هذا فحسب بل تعدى الأمر حدود الوطن وبرهن الرئيس على الحضور المشرف ودور مصر الريادى فكان الدعم للدول القوية الكبيرة التى أنهكها الوباء فطارت الطائرات حاملة معها المعونات الموقعة باسم شعب مصر.
وكعادة جيشنا العظيم وجدنا هذا الدعم الواسع والمشرف من القوات المسلحة، ولا تتعجب عندما تندر الحمقى والعملاء قديماً عن دور القوات المسلحة فى تحقيق الوفرة الغذائية هذا الدور الذى أثبت لنا اليوم أن جميعنا يأوى إلى ركن شديد، وفى غمرة كل هذه المسئوليات لم تتوقف المشاريع القومية يومًا، والأهم والأعظم والأجمل أن هيبة الدولة كانت ولازالت مصانة، سيادتها لم تصيبها رياح الوباء، فكان الحزم فى ضبط الأمن، ومنع التعدى والتجاوز والانفلات الذى لم يعد له مكانا فى دولة 30/6 حتى ولو كنا نعيش تحت وطأة أسوأ أنواع الأوبئة.
وعلى جانب آخر لا يقل نبلا ولا بطولة كان الدور العظيم للجيش الأبيض، فتكاتف الأطباء وتحملوا المسؤولية فاستحقوا ما وصفهم به المصريين بأنهم جيشاً من البياض، تضحيات ومواقف ملحمية ونماذج مشرفة مثل مشهد الدكتورة الشابة ميرفت السيد مدير مستشفى العزل بالعجمى بمحافظة الإسكندرية، التى أعلنت قائلة من فترة قائلة: "أنا مستمرة فى عملى منذ 83 يوما متصلة "بالطبع زادت عدد هذه الأيام" فى مستشفى العجمى النموذجى للحجر الصحى لمرضى الكورونا، ولأن الفريق الطبى كله فى معركة مع المرض والحرب لم تنتهى مش هرجع بيتى إلا مع خروج آخر مريض من المستشفى بإذن الله".
هذه هى عقيدة بنت مصر، تفانيها فى أداء رسالتها النبيلة منعها عن احتضان أبنائها لأيام طويلة، فرابطت وتفانت لا لمال أو لمنصب كما يتهافت الأوغاد ولكن الرسالة التى حملتها بنبل وشرف ومسئولية، وبمشهد ينافس كل صور ورمزيات الملاحم الخالدة تجدها تنظر من خلف بوابات المستشفى لتطمئن على زوجها وأبنائها بعد أن آثرت مرضاها على فلذات أكبادها فكان هذا المشهد الملحمى بتوقيع طبيبة مصرية وطنية.
جامعات مصر صارت خلية من النحل لم تتعطل يوما واحدا فمارسنا التعليم عن بعد باقتدار، هذا التعليم الذى تدربنا عليه كأعضاء هيئات تدريس فى جامعاتنا منذ سنوات، وكان بعضنا يتساءل عن مدى جدواه حتى وجدنا أنفسنا اليوم نحصد ما زرعناه من تدريب، لم نكن نفهم هدفه ولا جدواه، تدريب لم يستطع بعضنا معه صبرا وقد أُحطنا به اليوم خبرا، خلايا من النحل من عمداء كانوا جديرين باختيار الدولة الواعية لأسمائهم الجديرة بتحمل المسؤولية، ووكلاء وأعضاء هيئة تدريس أدركوا أنهم أمام لحظة فارقة وبرهنوا على قدرتهم بامتياز.
جامعات لم تقتصر فقط على دورها الأكاديمى بل تعدتها إلى أدوار إجتماعية وإنتاج للكمامات وتوفير للأدوية، ومنح مالية، وحتى بلفتات إنسانية، تواصلت مع عائلات من ماتوا تحت تأثير الوباء، فنجد مثلا رئيس جامعتى يشكل خلايا لإدارة الأزمة، ويشرف على إنتاج الكمامات، ويمد الكليات بها، ويزور أسرة ممرضة ماتت بكورونا، وفى غمرة هذه التحركات ينال هذا الوباء اللعين من شقيقته فتموت متأثرة به ولم يميزها بجناح مخصوص ولا برعاية استثنائية.
هؤلاء هم الرجال، ولكن كالعادة على الجانب الآخر من الإنسانية يقبع هؤلاء الأوغاد الزومبى، مصاصى الدماء، هذه الرواسب الآدمية الباقية ليصدروا الشائعات، وينتهزوا الفرص، ودعنى عزيزى القارئ أقتبس جزء من تغريدة الرئيس عبد الفتاح السيسى الأخيرة إذ أكد : "أن الدولة ماضية فى تنفيذ خطط التنمية والحفاظ على الاستقرار الاقتصادى فى أصعب الظروف التى يحاول فيها أعداء الوطن من المتربصين التشكيك فيما تقوم به الدولة من جهد".
وفى هذه الصورة الملحمية التى نتشارك فيها جميعا يتزاحم للخونة ومروجى الشائعات للظهور فى المشهد، ينتظرون فيها لحظة لن تأتى أبدا ليمتصوا نخاع هذا الوطن، تجدهم أكثر الناس سعادة بالوباء، ينتظرون بشغف آثاره الاقتصادية، يتغنون بأعداد المصابين كل يوم، يشككون فى قدرة الدولة على المواجهة، فهذا الطبيب الإخوانى الذى يدفع زملائه للتمرد، وهذا الأستاذ الجامعى الذى يحرض طلابه على السخط على النظام التعليمى ويقلل من أهميته وجدواه لأجل إحداث البلبلة وتكدير الأمن العام، ولتنفيذ أجندات أسياده من الخارج، وهذا الذى يقضى يومه فى مراحيض صفحات التواصل الاجتماعى المفبركة ليثبط ويحرض وينشر الكذب والتضليل، هؤلاء هم الوباء الحقيقى وإن كنا لم نتوصل لعلاج كورونا حتى الآن فإننا نعرف المصل المطلوب للوقاية من هؤلاء الزومبى، وننتظر حقنهم به بشدة لنتخلص من بقايا الأورام الخبيثة التى كانت عالقة بجسد هذا الوطن.