الدكتور محمد فياض
وأعدوا لهذا الوطن ما استطعتم من قوة ترهبون بها أعداءكم، أعدوا لهم كيدا وقتلا واستقطابا وتفجيرا وتكفيرا، وبشكل واضح فلم يشعر الإخوان يوما بالانتماء إلا للجماعة، لم يتغنوا فى حب الوطن إلا حسب المصلحة السياسية والاستقطاب المجتمعى، فهؤلاء الذين رفعوا بالأمس نحمل الخير لمصر لم يحملوا لمصر إلا كل شر وحقد وكراهية وانتقام وأفكار سوداء.
بشكل واضح يشعر الإخوانى بنشوة خفية لو تعرض الوطن لأى تعثر، مشاعر شبقة تقتصر على لحظات إخفاق المصريين، شعار الحداد على شاشات التلفزيون يدغدغ مشاعره المريضة، فى أعمق نقطة فى وجدانه تجده يتمنى كل أنواع الشرور للبلد الذى يعيش فى كنفه، يصرخ متشدقا بقضية سد النهضة رغم أن أمنيته الأثيره أن يقام هذا السد، يتمنى فى أعماق قلبه أن تخسر مصر فى كل قضاياها، بل والمضحك أنه يشمت لأى خسارة مصرية حتى لو كانت فى مباراة كرة قدم.
ومن الناحية النفسية فإن هذا المركب السيكولوجى الإخوانى يمارس هذه العملية النفسية التى تهدف إلى تبرير العدوان على الغير من خلال تأثيمه وتحميله مسؤولية ما يوجد من شر أو مأزق أو خراب مع تبخيس إنسانيته والحط من قدره وتحويله إلى عقبة وجودية فى طريق السعادة والوصول إلى تحقيق الذات أو الهدف، يترافق ذلك مع رد فعل يتلخص ببراءة الذات التى تصوره كضحية لذلك الغير ارتباطا فى بعض الأحيان بالتشفى من الآخر حسب نظريات التحليل النفسى المفسره لهذه السلوكيات.
وعلى مستوى العقيدة الإخوانية فلا يوجد فى القاموس الإخوانى معنى لكلمة الحدود الجغرافية، فلا هى مقدسة ولا هى مهمة أصلا فهى عند سيد قطب حفنة من تراب عفن، حتى أن حسن البنا الشيطان المؤسس نفسه قد قال بشأنها فى كتاب رسائل حسن البنا "أما وجه الخلاف بيننا وبينهم – لاحظ عزيزى القارئ كلمة بينهم- فهو أننا نعتبر حدود الوطنية بالعقيدة وهم يعتبرونها بالتخوم الأرضية والحدود الجغرافية، ويستمر قائلا: "ودعاة الوطنية لا يعنيهم إلا أمر تلك البقعة المحدودة الضيقة من رقعة الأرض"، فمنظارهم الوطنى مضبب، وهويتهم الوطنية معدومة ووجه نظرهم الحقيقية تجلت فى مقولة مهدى عاكف "طظ فى مصر واللى فى مصر".
هل كان سيد قطب مثلا يحب هذا الوطن عندما قال مقولته الأثيرة التى صارت بمثابة دستور حياة لكل إخوانى "إننا نواجه جاهلية اعتقادية تصورية تقوم عليها أنظمة واقعية عملية، تسندها سلطات ذات قوة مادية، ومن ثم تواجه الحركة الإسلامية هذا الواقع كله بما يكافئه، تواجهه بالدعوة والبيان لتصحيح المعتقدات والتصورات، وتواجهه بالقوة والجهاد لإزالة الأنظمة والسلطات القائمة عليها"، بل ورفض كل أشكال الزعامات البعيدة عن إطار الجماعة حيث نادى سيد قطب أيضا "بنزع السلطان الذى يزاوله الكهان ومشايخ القبائل والأمراء والحكام".
وفى نفس المنحى نرى أفكارا قد قدمها كتاب الجهاد الفريضة الغائبة لمحمد عبد السلام فرج مطابقة لما يحدث الآن من أحداث إرهابية، فقتال العدو القريب "داخل الوطن" أولى من قتال العدو البعيد، فالتركيز الأساسى يكون على القضية الإسلامية وإقامة شرع الله داخل البلد أولا، وإن دماء المسلمين التى ستنزف حتى وإن تحقق النصر الخارجى ستكون لتثبيت أركان الدولة الخارجة عن شرع الله، فالقتال يجب أن يكون تحت راية مسلمة وقيادة مسلمة ولا خلاف فى ذلك، وما كانت الحادثة الشهيرة لإلقاء الأطفال من أعلى أحد المنازل بسيدى جابر فى الإسكندرية وغيرها من الحوادث إلا تجسيدا بليغا لهذه الأفكار الشيطانية والتى جاءت كلقطة بالغة الأهمية فى المشهد الدموى، فكان الجانى المصرى يقتل طفلا مصريا ويحمل علم القاعدة التى ينتمى لها وجدانيا وعقائديا خلال تنفيذ جريمته ليشرح لنا بشكل عملى معنى كلمة وأعدوا.
إن تاريخ الجماعات الإسلامية ارتبط بالعزلة الشعورية عن هذا الوطن، فهم ليسوا منه ولا تجرى محبته فى دمائهم وها هو شكرى مصطفى ذلك الرجل الذى مضى ست سنوات فى المعتقل وقرأ فى السجن أفكار المودودى وسيد قطب يجمع حوله أتباع عرفوا باسم "جماعة العزلة الشعورية" دعوا إلى "الانفصال الشعورى" عن المجتمع وزعموا أن المجتمع المصرى الجاهلى المعاصر يجب تكفيره.
وعندما سأل القضاة شكرى مصطفى عن موقف الجماعة إذا غزت القوات الإسرائيلية مصر، كانت هذه إجابته "إذا جاء اليهود أو غيرهم، فلن تسعى حركتنا للحرب فى صفوف الجيش المصرى بل بالعكس ربما قد نلجأ إلى الهرب لموقع آمن".
إذن فلا انتماء ولا هوية إلا للجماعة فهى الوطن الحقيقى والانتماء الحقيقى والدين الحقيقى غير القابل للتنازل ولا للمراجعة، وقد يكون مناسبا أن نستدل فى هذا السياق بكلام الإخوانى صبحى صالح أيضا عندما قال فى إحدى المرات "اللهم أمتنى على الإخوان".
الجماعة فى مصلحتها السياسية لا تمانع أن تخاطب رئيس إسرائيل بعزيزى وصديقى الوفى فى السر وتسبه فى العلن للخداع والاستقطاب والتدليس، وفى أوضاع أخرى تنحنى للمخبول أردوغان كخليفة ومهدى منتظر وحامى حمى السنة، ولكنها من الخلف تحب الشيعة ولا تجد فى أفكارهم الموبوءة خطورة، فهم أبناء مرحاض فكرى واحد يدعى الإسلام السياسى، فنجد مثلا أن مهدى عاكف مرشدهم الأسبق يقول "أنه لا فرق بين السنة والشيعة ونحن أمة واحدة ونسيج واحد لنا رب واحد ولنا قرآن واحد وقد أصدرت بيانا أوضحت فيه موقف الإخوان من هذه القضايا التافهة التى يثيرها بعض الناس الذين لا يفهمون الإسلام كما يجب وهذا منهج الإخوان المسلمين منذ الأستاذ حسن البنا، ومن يدعون أن هناك سنة وشيعة فهؤلاء جهلاء جهل مطبق".
كما نجد أن الكتاتنى أستاذ الجامعة الإخوانى المتطرف - وما أكثرهم فى جامعاتنا - يصرح أكثر من مرة بأنه ينظر للثورة الإيرانية "كنموذج أعلى"، كوميديا هزلية ساخرة بتوقيع جماعة التدليس والخداع.
وفى الأخير فإننا أمام سؤال مهم ينتظر الإجابة القاطعة كيف لكل هذا الحقد والتربص والإعداد أن يمر دون دفع فاتورة ؟ لا أقصد ساكنى السجون فقط لأجل جرائم وأحكام قضائية، ولكننى أقصد ساكنى المؤسسات والمصالح الحكومية، من سكنوا رابعة ليعودوا بعدها إلى مكاتبهم ومؤسساتهم، ينفثون أحقادهم، ومن الكوميديا السوداء أن تجد أحدهم مدانا" بمباشرة نشاط وإتيان سلوك من شأنه تكدير الأمن العام، والتأثير على السلام الاجتماعى، ونعته بالعداء للشعب المصرى والدولة المصرية وتشدده الفكرى وتعصبه السياسى لجماعة محظورة أسست على خلاف أحكام الدستور والقانون" رغم كل هذا يُترك فى عمله الخطير كأستاذ فى الجامعة يمارس نشر سمومه الفكرية ويزرع روح الكراهية والعداء مخربا نفوس وعقول طلابه، هذا وغيره لابد عليهم من دفع الفاتورة التى تأخر تحصيلها طويلا.