البث المباشر الراديو 9090
مريم عيد
يمثل الإنترنت بدون شك ثورة فى عالم الاتصالات مكنت مستخدميه الذين يتجاوز عددهم الآن أكثر من نصف سكان العالم، من التواصل المباشر وتبادل الرسائل النصية بين أطراف الأرض أو بالصوت والصورة عبر عدة برامج فى التو واللحظة دونما قيود الزمان والمكان.

فى الفترة الحالية وتبعًا لسياسة الحظر الذكى التى تنتهجها الدولة والإجراءات الاحترازية أثناء جائحة كورونا والتى تحول دون التجمعات البشرية فى أى مكان، أُستخدم الإنترنت من أجل دعم التعليم وعدم انهيار منظومته، ليس فقط برامج التعلم عن بعد ولكن العملية التعليمية ذاتها انتقلت مؤقتا من المدراس والجامعات إلى الإنترنت.

التكنولوجيا الحديثة منحت أيضًا القطاع البنكى ميزة تقديم بعض خدماته عن بعد والوصول إلى العملاء دون ضرورة توجههم إلى مقرات البنوك، وأفرعه عبر أنحاء الجمهورية والتى قلصت من ساعات عملها وذلك عن طريق تطبيقات الهواتف المحمولة، وماكينات الصراف الآلى، علاوة على الخدمات الرقمية.

لكن ما زالت التجارة عبر الإنترنت محدودة على الرغم من نموها، كما وتفتقر إلى التنسيق ما بين الموارد الاقتصادية المتنوعة ومقصورة إما على التسوق الإلكترونى عن طريق مواقع معروفة ومنصات تسوق لشراء سلع ومنتجات وخدمات بصورة مباشرة ربما تكون أجود صنعًا وأقل سعرًا، أو أنشطة الشراء أو التبادل السلعى عبر الحدود والاستيراد والتصدير لعدد من الأفراد والشركات لها مواقع ومتاجر إلكترونية ربما يجلب عملة صعبة بالفعل ولكن ليس بالصورة الكافية والمنشودة.

لكن بالإضافة إلى دور الإنترنت فى التواصل الاجتماعى، هل يمكنه إحداث ثورة اقتصادية مصرية؟ آمل هذا.. فماذا عن عائده على التنمية الاقتصادية؟ مازال محدودًا؛ لأننا مازلنا فى طور النظر إلى التكنولوجيا والرقمنة كهدف وليس كوسيلة، يمكن للتكنولوجيا الحديثة أن تقدم فرصًا هائلة لزيادة التنمية فى بلادنا.. كيف؟ التكنولوجيا الرقمية الجديدة لعبت دورًا هامًا فى القطاعات الزراعية والتجارية ومن ثم الصناعية فى جميع أنحاء العالم وفى بعض الدول النامية، قواعد البيانات والمعطيات الكثيرة والمتنوعة عن مختلف الأنشطة وسرعة تداولها بين المختصين والأفراد وسرعة الإنترنت العالية، ومن ثم سرعة التواصل أسهمت فى امتداد وتطوير الأنشطة القائمة على الزراعة وغير القائمة عليها، الدولة المصرية من ناحيتها اهتمت بالبنية التحتية لكل من تكنولوجيا الاتصالات والمواصلات، مع إصدار التشريعات المنظمة للتجارة الإلكترونية.

الهند من بين الدول التى تحقق تقدما سريعا فى التجارة الإلكترونية، مع انتشار استخدام الهواتف المحمولة بها، جمهورية "كيرالا" الهندية وعن طريق تكنولوجيا الهاتف المحمول مكنت الصيادين هناك من التعامل مع فروق الأسعار فى الأسواق المحلية وبالتالى زيادة أرباحهم، والخدمات البنكية واسعة الانتشار فى "كينيا" مكنت النساء الفقيرات من الخروج من نطاق الزراعات المحدودة إلى أعمال مربحة، حيث أن تبادل المعلومات على الإنترنت أسهم فى تحسين سبل الرى واستخدام المبيدات والمخصبات الزراعية وأنظمة الإنذار الحديثة.

ماذا لو وصلت تلك التقنيات إلى الفلاح المصرى وإلى التاجر المصرى؟ الذى يستخدم بالفعل الهواتف المحمولة ولكن إما للتواصل المحدود مع من يتعامل معهم بالفعل من موردين ومستهلكين، علاوة على انتشار الأمية أو إحجام البعض عن استخدام الأجهزة الحديثة.

أقترح أن يعملوا عبر "شبكة وطنية لوجيستية متخصصة" زراعية وصناعية وتجارية يتم تصميمها وفقًا لخارطة مصرية جغرافية ومكانية لكل مجالٍ على حدة مع توافر روابط مشتركة فيما بينهم، فالمزارعون، والتجار، وأرباب الأعمال، والصناعات، بما فيها الصناعات الصغيرة، يحتاجون إلى شبكات فعالة تصلهم ببعضهم ويتممون أعمالهم من خلالها لتنتقل السوق المحلية إلى الإنترنت، فالسوق الحر يحتاج إلى خارطة طريق تنير له الطريق ليتحرك فيها بحرية وأريحية، فهو سوق "حر" وليس سوق "أعمى".

على أن يكون الاشتراك بتلك الشبكة اللوجيستية إجباريًا وبشروط لكن رمزية وغير مجحفة، وبذلك سوف يمكن لمستخدميها الوصول إلى أعداد أكبر من المستهلكين فى أماكن ربما يكون بعضها خارج جواره المحلى الضيق إلى نطاقات محلية أوسع وأكثر رحابة، وستجعله يتجنب الكثير من النماذج المستغلة التى اعتاد التعامل معها، وستؤدى إلى رواج اقتصادى وتزيد من فاعلية السوق الحر بما فيه صالح كل من البائع والمستهلك، وستجعل اليد الخفية التى تنظم حركة السوق الحر تتحرك بصورة أسرع وأكثر حنكة وحرفية، يمكن تدريب المشتركين عن طريق "كورس مصرى متخصص" فى كيفية التعامل مع تلك التجارة الإلكترونية فى المراكز التعليمية والمدارس والجامعات، أو حتى توفير مدربين لتدريبهم فى منازلهم بناءً على طلبهم إذا لم يتسنى لهم الحضور المنتظم، فالمصرى إذا توفر له الحافز المقنع يمكنه أن يعطى نتائج مبهرة، ولربما فى مراحل متقدمة سيتم ربطهم بالأسواق العربية والعالمية.

إن التطويرات التكنولوجية عبر الإنترنت يمكنها أن تسهم فى زيادة الإنتاجية الزراعية والصناعية والكفاءة التجارية، وتسهيل التنوع واستنباط محاصيل غير تقليدية بعوائد أعلى للزارع وللمزارع وللتاجر، وسلع أكثر جودة وأكثر انتشارا وأرخص سعرًا.

تعتبر سياسة "الشمول المالى" التى تنتهجها الدولة خطوة أساسية فى هذا الطريق، حيث أن كل عمليات الشراء فى الأسواق والمتاجر والدفع النقدى فى المؤسسات والمدارس والجامعات ستتم عن طريق حسابات بنكية وكروت ائتمانية، بدلاً من الدفع النقدى المباشر، وبالتالى كل شيء عن المعاملات المالية والتجارية سيكون معروفًا للدولة، وسوف يمكنها ذلك من توجيه سياساتها الاقتصادية بسلاسة أكبر، لكن ما زال الدفع المباشر يحظى بثقة كبيرة لدى العديد من التجار والمشترين والعملاء إذ يمثل أكثر من 60% بينما فى دول أخرى يكاد لا يتجاوز 5% وتحتاج المسألة فقط إلى تكثيف التوعية الائتمانية لدى المصريين ودعم ثقتهم بها حتى يألفوها، عن طريق زيادة احتياطات الأمان ضد القرصنة الإلكترونية.

من ناحية أخرى فإن سياسة الشمول المالى تستهدف أيضًا بعض المواطنين فى الاقتصاد غير الرسمى والمهمش والذين من الممكن ألا يكون لديهم حسابات بنكية أساسًا، فإرشادهم إلى الذهاب إلى البنوك والاندماج مع القطاع المصرفى والتعود على التعامل معه، سيكون مقدمة لدمجهم فى الاقتصاد الرسمى، كما أن خريطة الاستثمار فى مصر والتى هى أمر آخر يُعنى بفتح آفاق جديدة لمشروعات يرجى نجاحها مع التوصية بربطها بالشبكة اللوجستية المرجوة فى ضوء رؤية إستراتيجية وليس مجرد تواجد منعزل فى العالم الافتراضى.

السوق الحر لا مفر منها فى الوقت الحالى لمواكبة التغيرات العالمية واللحاق بركب التطور وما يشمله من تغيرات متجددة، ولكن علينا أن نجيد ونحترف التعامل معها لصالحنا التنموى والاقتصادى، وأن نهتم بصورة أساسية بدعم الصناعة المحلية والتى كان قد تم التركيز عليها فى حقبة الستينيات ثم أُهملت تدريجيًا فى فترات لاحقة ولكننا نرى الآن بشائر قوية لعودتها مرة أخرى حتى يمكننا الانتشار والتسويق داخليًا وخارجيًا.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز