مريم عيد
عندما كانت هذه السيدة تعيد قراءة ما تكتبه، كانت تجد قدراً لا بأس به من السباب والشتائم لا لزوم لها موجهة إلى زوجها وأولادها، بدأت السيدة فى مراجعة نفسها وحذف كل تلك الشتائم حتى خلت كتابتها من أى شتائم أو ألفاظ جارحة تماما.
يحدث عكس هذا على شبكة الإنترنت، فمن خلال البرامج التى تعمل عن طريقه مثل "فيس بوك وتويتر والبريد الإلكترونى" يمكنك أن تفاجئ بكم كبير من السباب والشتائم المفزعة من قاموس ألفاظ الشوارع والتى تم اعتمادها رسميا على الإنترنت، ولكنها هذه المرة اكتسبت قدرة على التسلل من الشوارع الخلفية للعالم الافتراضى إليك حتى تهاجمك داخل بيتك أنت وكل مرتادى الشبكة الإلكترونية.
فيمكن للإنسان أن يبتعد كيفما يريد عن أى مصدر للإساءة أو التحرش اللفظى، أما التحرش على الإنترنت فقد يفرض نفسه عليك بلا مقدمات منطقية سوى أنك أبديت رأيا ما مخالفاً لرأى البعض.
الغريب أن الكثير من الناس على الإنترنت يكونون أكثر خشونة وقسوة من حياتهم العادية، وكأن الإنترنت حلبة مصارعة وساحة قتال وليس شبكة تواصل اجتماعى، فتحت ستار الاسم المستعار تسمح شبكات التواصل بالإبقاء على هويتك مجهولة "فيس بوك وتويتر والبريد الإلكترونى" لديهم مساحة وسماحية أكبر بتداول كل الألفاظ المهينة وممارسة التنمر الإلكترونى مع إمكانية استخدام صور لمقاطع من أفلام بعد فبركتها حسب الطلب.
الحكومة المصرية كثيراً ما تكون موضوعا للتنمر سواء أبلت بلاءا حسناً أو كان من الممكن توجيه بعض النقد لها، نسبة الوفيات بين المراهقين والشباب فى أمريكا يكون سببها الرئيسى فى تلك المراحل العمرية هو الانتحار، تشير الإحصائيات إلى أن أكثر من 20% من حالات الانتحار تكون بسبب التعرض للتنمر الإلكترونى على الإنترنت وما يعقب ذلك من التعرض لحالة نفسية سيئة تدعو إلى الانتحار.
كثيراً ما يثار هذا الجدل النابى حول موضوعات سخيفة وليس قضايا ذات أهمية، تستطيع أن تنتقم على الإنترنت، وتثأر من كل خصومك كيفما تشاء فلا أحد يعرف أحياناً من أنت، كل الناس يمكن مهاجمتهم على الإنترنت، وكأن القسوة والوضاعة هى بيئة الإنترنت وليس المودة وحرية الرأى والكلام الطيب.
لقد شاهدت وقرأت بنفسى جميع النماذج والأنواع من التعليقات غير اللائقة على الإنترنت، ويمكن أن ترى بنفسك الكثير من الشتائم والبذاءات بدون رادع أو عقاب، وكأن لدينا لغة عربية، وإنجليزية، وفرنسية، وبقية اللغات، بالإضافة إلى لغة عدائية متنمرة على الإنترنت تعكس عدم قدرة على احترام الاختلافات فى الرأى والمعتقدات والقناعات الشخصية من قبل بعض الجبناء الذين يتسترون خلف أجهزة الكمبيوتر والموبايل والآى فون.
من أشكال التنمر الإلكترونى أيضاً إطلاق الشائعات الكاذبة والأخبار غير الصحيحة على مواقع المشاهير وبعض الفنانين، مع الجزم بصحتها وكأنهم شهود عيان وما يشتمل عليه ذلك من افتراءات وإهانات، ففى الثقافة المصرية المتداولة نحجم عن نصح كل من شب واكتمل نموه على أساس أنه "مش صغير" أما على الإنترنت فيحلو للكثيرين ممارسة دور الرقيب على حياة الآخرين.
علاوة على هواة الاستظراف والاستخفاف بالبشر وهم بالكاد يعرفونهم أو حتى لا يعرفونهم من الأساس ويتبرعون بآرائهم فى أشياء لا تخصهم، على سبيل المثال خبر زواج المطرب عمرو دياب أخذ وقتا واهتماماً كبيراً وغير لائق من رواد التواصل الجماعى الذين يدلون بدلوهم دون أن يسألون.
فأولاً زوجته فنانة وذات جمال مصرى له طبيعة خاصة ربما تروق لكثيرين، وثانياً ثقافتنا العربية والتى تقدر الجمال تحترم فى نفس الوقت الرؤية الشخصية وحرية المحبين وبأن القلب والأذن يعشقان قبل العين أحياناً، يصدح لطفى بوشناق معبراً عن كل ذلك: "جاوبت اللى جهلوا فنى: خذوا عينى شوفوا بيها"، ثالثا وهو الأغرب عمرو دياب مطرب غنى وتغنى كثيرا بعاطفة المحبين وبكلمات عذبة أهداها إليهم فكيف بعد كل هذا الكلام الجميل يكون المردود هو كل هذا الكم من التعليقات السخيفة!!
التنمر الإلكترونى يشمل ثلاث فئات أساسية مستهدفة الاختلافات السياسية، والاختلافات الدينية، والمشاهير، كما أن أكثر من 53% ممن تعرضوا للإساءة على الإنترنت كانوا أساساً ضمن تلك الثلاث فئات المستهدفة.
العديد من القادة السياسيين الذين من الصعب اغتيالهم يتم اغتيالهم معنوياً على صفحات الإنترنت، فإذا لم توافقن رأيى الدينى أو السياسى فسأمزقك إربا على صفحات الإنترنت وسوف يشترك معى فى ذلك كل من هم على شاكلتى من المتنطعين، كما أن ذلك أيضاً يشمل العديد من المدونات التى يحلو لأصحابها إطلاق كافة أنواع الشتائم على معارضيهم ومن يخالفونهم الرأى ونعتهم بصفات مهينة، والنتيجة أن الجيد يؤخذ بالسئ ويسود جو من الحماقة والعنصرية والتمييز والتعميم والجهل.
أيضا من أشد المواقع شراسة على الإنترنت، المواقع الإخبارية والتى تشتمل على صفحات من التعليقات المعادية والعدائية، أيضاً موقع يوتيوب يحوى قدراً لا بأس به من السباب فهل من الممكن أن تسنح الفرصة للأشخاص المعنية بهم تلك الأخبار رؤية كل تلك التعليقات فى أماكن متعددة!
ليس فقط فى الموضوعات السياسية والدينية حيث العنصرية والكراهية تؤججان المشهد، بل وحتى أيضاً فى الموضوعات التى يفترض أنها أخبار خفيفة أو للتسلية أو حتى على الصفحات الرياضية ومواقع الجيمز والألعاب، فالبعض يعاملون الآخرين بلا احترام على الإنترنت.
وكم يسوء الأمر فى حالة لقطات الفيديو أو الصور التى تسجل فضائح سواء حقيقية أو مفبركة وتكون سبباً فى حدوث خلافات عائلية خطيرة، وحتى الخلافات يمكن تسجيلها وإذاعتها والتى يكون صاحبها ضحية وفريسة سهلة للتنمر.
الحل الأمثل هو تجاهل التنمر تماما وكما يقال: "عقاب السفيه تجاهله"، يقول عباس العقاد: "الناس فيهم الكاذب والغشاش والخائن والمخادع، فلو أنك عاملت كل إنسان بما فيه من صفته لاجتمع فيك ما تفرق فيهم فتصبح أحط الناس".
لا تفكر أبداً فى تلك الإساءات وعود أولادك ألا يلقوا لها بالاً فقد ربيتهم على أن يكونوا أناس مسؤولين بخلاف غيرهم، لكن أوصهم أيضاً بضرورة إخبارك إذا ضايقهم أحد ما على الإنترنت، كما يمكن عمل "بلوك" لهؤلاء الأشخاص إذا تأكدت الإساءة، لكن لا ينبغى ترك الأمر بدون رادع إذا تكرر وتجاوز الحد بعد ذلك، فكل ما عليك هو الاحتفاظ بتلك الإساءة عن طريق "برنت سكرين" أو "سكرين شوت" ثم الاتصال بأحد الأرقام المخصصة للبلاغات أو الخط الساخن لمكافحة جرائم الحاسبات والمعلومات 108 ومن ثم مباحث الإنترنت.