سمية عسلة
إنه تيار الحب الكهربائى الصاعق دون قتل، الحارق دون نار، المؤلم دون عذاب، تلك النظرة الأولى، ذلك السهم الخارق مغروسًا فى سويداء القلب.
الحب ليس كلمات ترافق سلمًا موسيقى، إنه وشاح أحد الملائكة سقط على أهل الأرض فأصاب أرواحًا، وما أعظمه من مصاب شتاء يعقبه الربيع يتبعه الخريف ثم الصيف، كلها فصول زمنيه عقدت مع الحب اتفاق بل ومنحته شيئًا من خصائصها.
صيف الحب عند اللقاء، وليس شرطا أن تتلاقى الأعين وتتشابك الأيادى، بل أن للروح أجنحة تهيم بها فى فضاء آخر وفى زمن مختلف فوق مجرة غير المجرة، وحين تعاود الرجوع للجسد، فقد لقى كل حبيب حبيبه.
بداية برد الشتاء التى جعلتهما يقتربان حتى وصلا لحدود الهمس واللمسات .. يثور النبض الهائج يقتلع جدران القلب، تفيض مشاعر اللهفة والرجاء، وتحتد الفيضانات حتى تغرق شطأن الروح والجسد، فتغيب النظرات وسط تلال على ضفاف النهر، ويقف اللسان كعبد يرتجى مولاه أن ينطقه، لعل أُذُن المحبوب تسمع بحال ذليل أشقاه العشق وأعياه.
وكما وصف الشاعر نزار قبانى شرارة الحب الأولى بكلماته الشهيرة (بالهمس باللمس بالآهات بالنظرات)، تلك التى تجعل الهائم يطير دون أجنحة، وتجعل الأعمى مبصرًا، تلك الموسيقى التى لا تسمع بالأذن، هى حالة أشبه بزيارة القمر فى بيت السماء ولملمة النجوم المتناثرة ليصنع منها عقد، لكن حذارى من شتاء قارص قد يجعلك تنهار مع بداية الربيع، فقد يضيع من قدميك الطريق، حين ينقضى برد الشتاء وتبتعد الأيدى قليلاً فقد استقرت الأجواء ودفأت الأجساد ولكن الأرواح لم تدفأ بعد.
الربيع هو أن تحلق بعيدًا فى نشاط وسط عزف الموسيقى والعناية بالورود الحمراء.. فترة تجعل الحياة تُرى فقط بألوان قوس قزح، حتى يظن البعض أن أصوات العصافير ستستمر تزقزق بلا انقطاع إلى أن تقوم الساعة.. لياليه تطوف بقلوبنا دون حذر من العواصف، ولكن حذارى فإن طال ربيع الحب فإنه لن يدوم طويلاً، فستقطف مئات الورود، سيهدأ تيار الكهرباء وتقل معه الحروق والصدمات، لكن لا داعى للحزن ففى نهاية هذا الفصل سيكبر كيان الحب ويصبح عشقًا، كلها سيمفونيات تمهد لدخول فصل الخريف.
إنفوجراف : روشتة هانى الناظر .. 10 خطوات تحميك من كورونا
لا أخشى الخريف كثيرًا حين أوصفه، ولكنه يتفرع فى الأغلب إلى طريقين مختلفين تمامًا، فقد تنسجم النفوس وتتعانق الأرواح داخل كيان واحد، يغردون قدر ما شاءوا ويحلقون وقتما شاءوا ويتقاسمون العشق خمرًا فى كؤوس السكارى، وقد يسلك خريف الحب طريقًا آخر، فما أقسى الخيانة! ليست بالجسد فقط بل بالروح أيضًا، عندما تظمأ روحك فجأة فلا تجد إكسير الحياة لترتوى، فماذا عليك أن تفعل حين ينسحق القلب بين الضلوع، حين تكتم صرخات وأهات لتبقى حبيسة القلب، عندما تنحت النبضات بداخلك صور الظلم والقهر، حين تترك يدك! فقد اجتاحت العواصف البلاد وحصدت الأرض والعباد، وهاجت معها أمواج بحور العالم فاضحة كل الأسرار.. اليأس خيانة، والهجر خيانة، والنبض بغير الحبيب خيانة، فلا أَبقى الله قلبًا يدق بغير عاشقه.
الحب ثم العشق والهيام، أرواحًا من نور سكنت جميع معالم الحياة، ندركها فى لحن موسيقى ونراها فى لون الورود، نلمسها حين نلمس أمواج البحر.
الآن، وبالتزامن مع ذكرى رحيل السندريلا، يمكننى أن أجزم أن قصة حب عبدالحليم حافظ وسعاد حسنى مرت بالفصول الأربعة المذكورة سلفًا، وكان آخر ما غنَّى العندليب الراحل عبدالحليم حافظ هى رائعته "قارئة الفنجان"، التى كتبها له نزار قبانى، ولحنها محمد الموجى.
قارئة الفنجان كان خريف العشق بين سندريلا الشاشة العربية سعاد حسنى والعندليب عبدالحليم حافظ (يا ولدى قد مات شهيدًا من مات فداءً للمحبوب).
للأغنية تفاصيل كثيرة، أهمها ما صرَّحت به سندريلا الشاشة العربية سعاد حسنى فى مذكراتها، أنها هى قارئة الفنجان، وأن الأغنية كُتبت بناءً على قصة الحب التى لم تكتمل بينها وبين عبدالحليم.
وقد ذكرت سعاد أنها الحب الأوحد فى حياة العندليب، ولما عرف نزار الحكاية كتب قارئة الفنجان، تخليدًا لقصة حبهما.
كان نزار كتب فى قصيدته: حبيبة قلبك يا ولدى .. نائمة فى قصرٍ مرصود".
وظلت قصة "قارئة الفنجان"، فلم تنته بمجرد أن غنّاها العندليب.. وقد حكت سعاد حسنى فى مذكراتها أن نزار قبانى اتصل بعبدالحليم بعد حفل "قارئة الفنجان"، وكان متأثرًا بشكل كبير، وقال له "البقية فى حبك يا حليم لقد كنت رجلاً نبيلا وخلَّدت حبك لها، وسوف يعرف العالم فى يوم ما الحقيقة".
ربما حب حليم لسعاد لخّصه يوم وفاته فى ورقة وجدت فى أغراضه فى مستشفى "كولدج" فى لندن، فقد روت سعاد وهى تبكى، أن حليم قبل وفاته، وربما قبل دخوله غرفة الجراحات لآخر مرة، كتب بخط يده مقطعًا صغيرًا من "قارئة الفنجان"، هو: "وبرغم الجو الماطر والإعصار.. الحب سيبقى يا ولدى .. أحلى الأقدار" فكان يعلن لها وهو يموت أنه مات وهو يعشقها، وأنها كانت المرأة الوحيدة فى حياته.