مريم عيد
كان أول اعتراف دستورى بالنظام المحلى فى مصر فى دستور 1932 ومنح المجالس المحلية اختصاصات خاصة بتنفيذ السياسة العامة حيث تتشكل المجالس من مديريات وبلديات عن طريق الانتخاب.
تمت الكثير من التعديلات بعد ذلك فى دساتير لاحقة ولكن كان هدفها زيادة السلطة الإدارية المركزية، كما أن أغلب النصوص معطلة، فكيف يكون السبيل إذاً إلى الخروج من عباءة المركزية؟
بنبغى أن تعمق المحليات اللامركزية الحكومية لا أن تدعم المركزية، فما تقوم به الخمس وحدات إدارية "المحافظة- المركز- المدينة- الحى- القرية" هو تقديم التقارير والإمداد بالبيانات والمعلومات اللازمة للحكومة المركزية ليساهم كل مستوى من المستويات الخمسة بدوره فى دعم الحكم المركزى وليس العكس، هذا بالإضافة إلى الإشراف على النظافة والمرافق واختيار رؤساء المراكز والمدن والأحياء والوحدات المحلية الذين يتم تعيينهم بقرار من السيد المحافظ المختص.
وأقصى عمل هو تحسين البنية التحتية للمحافظة، وحتى هذا يكون عرضة لانتقادات جمة من قاطنى المحافظات أنفسهم، لأنه يأتى فى بعض الأحيان محبطا بما لا يتفق مع أمانيهم وتوقعاتهم الفعلية، حيث ربما يكون لدى المواطن حلولاً أفضل لتحسين البنية التحتية لمحافظته، جدية وديناميكية العديد من السادة المحافظين يلمسها مواطنى المحافظة بالزيارات المفاجئة التى يقوم بها المحافظ للمدارس أو المستشفيات.
إن تطوير أداء المحليات يعتمد بصورة مباشرة على تفعيل عمل الإدارة المحلية بعيدا عن مركزية التشغيل فى ظل الوعى الكامل بطبيعة المجتمعات المحلية، والمتغيرات الاقتصادية لتلك المجتمعات، وتطلعاتها التنموية، فعلى الرغم من أن المحافظ يعامل معاملة الوزير من حيث المرتب والمعاش، إلا أن الكلمة العليا مازالت للحكومة المركزية وللوزارات المركزية وليس للإدارة المحلية.
الاستقلال المالى المنشود، وليس الحكومى للإدارة المحلية يتحقق بمزيد من تفويض السلطات لها، فالمادة 137 من قانون المحليات تنص على: "لا يجوز للوحدات المحلية إبرام أى قرض، أو الارتباط بأى مشروعات أو أعمال تتعلق بمجالات التنمية المختلفة أو تمويلها أو تنفيذها بما يخالف خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية العامة للدولة أو الخطة الإقليمية".
تقويض النشاط يعيق الفكر الابتكارى لدى المحافظات، أتذكر الآن تجربة الفريق أحمد شفيق مع شركة مصر للطيران، وكيف فكر فى الاعتماد الذاتى لمصر للطيران على نفسها، وأخذ قروضاً ومنحاً بصورة مستقلة عن دعم الدولة ونجح فى تطوير شركة مصر للطيران إلى أبعد الحدود.
منظومة تطوير مبتكرة، أتمنى لو تكررت تلك التجربة فى كل محافظة على حدة، أتمنى أن تصبح كل محافظة "مصر للطيران"، فتعيش اللامركزية ألف مرة، فكلما اعتمدنا عليها وتوسعنا فى ذلك، كلما ضمنا دوران عجلة التنمية المستدامة والسير بخطى حثيثة نحو الإصلاح الاقتصادى المحلى.
فإن كنا نسمع عن تجارب متميزة للعديد من الوزراء على مدار تاريخ مصر مثل الدكتور ثروت عكاشة وعبدالمنعم القيسونى وعزيز صدقى وكمال رمزى استينو وعاطف صدقى وإبراهيم محلب، لكن بالنسبة للمحافظين فإن الذاكرة لن تسعفك فى تذكر عدة أسماء لمحافظين متميزين سوى باثنين عبدالسلام المحجوب فى محافظة الإسكندرية، وسعد الشربينى فى محافظة الدقهلية.
بخلاف لامركزية التشغيل، وعدم وجود انتخابات معروفة، وفقر الأداء الإدارى، وغياب الإنجاز المحلى، وغياب التنسيق، فإن من أهم المشاكل التى تواجه المحليات هو الفساد المستشرى، فحل المجالس المحلية فى أعقاب 25 يناير، ومعاقبة بعض رموز العهد السابق هو بمثابة قضاء مبدئى على رؤوس الفساد فقط، ولكن جسم الفساد مازال حياً ومتغلغلاً فى الجهاز الإدارى المصرى.
أهم مظاهر هذا الفساد هى الرشاوى، والحصول على قطع أراضى ووحدات سكنية للمقربين فى عهود سابقة، والتورط فى منح تراخيص بناء مخالفة لأفراد ولشركات عقارية.
فقد قامت هيئة النيابة الإدارية بالتحقيق فيما يزيد على 15 ألف قضية فساد ومخالفات بقطاع الإدارة المحلية عام 2018، لكن حتى الفساد المستشرى يمكن مقاومته بمزيد من التفعيل للعمل الميدانى للمحليات، والمتابعة اليومية على أرض الواقع لإزالة أية مخالفات فى مهدها قبل أن تصبح بناءً يصعب إزالته، بالإضافة إلى تحميل كلاً من المخالف والمسؤول تكلفة استنزاف موارد الدولة.
مازال الأمل لدى المواطن فى أية مطالب لديه هو عضو البرلمان عن الدائرة المحلية، ولكنه بعيد كل البعد عن الإدارة المحلية وأدائها البيروقراطى، وبما أن فاقد الشئ لا يعطيه فالمحليات فى ظل أدائها الحالى لن يمكنها خلق كوادر جديدة، فموظفى الإدارات المحلية ونظرا لضآلة فرص الترقى وشغل مواقع قيادية أدى إلى فقدهم لحافز الإنجاز والمبادرة والتمسك بالبيروقراطية فى الأداء، - أصل كلمة البيروقراطية مشتق من الكلمة Bureau أى "مكتب" بمعنى الإجراءات المكتبية لمجرد إتمام العمل و الاحتفاظ بالسلطة-، فكيف يمكنهم خلق كوادر وظيفية جديدة يمكن أن تأخذ على عاتقها أعباء العمل العام والاهتمام به، والافتقاد لبرامج تدريبية تحتوى على منهجية واضحة تحقق الوعى الكامل بطبيعة المجتمعات المحلية.
ويعد من إنجازات القيادة السياسية الحالية اختيار نواب للمحافظين مدنيين ومن كوادر شابة اشتركت فى مؤتمرات الشباب الأخيرة بعد أن كانت مناصب مثل سكرتير عام المحافظة ورؤساء المدن والمراكز يشغلها عسكريون فقط.
كما أنه يوجد لدينا خبراء فى كافة المجالات، لكننا لا نسمع كثيراً عن "خبير تنمية محلية"، أتمنى أيضاً تدريب جيل جديد من كوادر خبيرة فى التنمية المحلية، فبالنظر إلى بعض المناطق الصناعية بكل محافظة سنجد أن أهم ما يميز بعضها حديثاً هو وجود مناطق للصناعات الصغيرة، والصناعات الصغيرة على أهميتها للعديد من الأفراد، إلا أنها لا تكفى بمفردها للنهوض باقتصاد دولة بحجم مصر، لكن توجد إنجازات بارزة للفترة الحالية يميزها ثلاث علامات مضيئة: مدينة صناعة الجلود بالروبيكى، ومدينة صناعة الأثاث بدمياط، وأكبر مصنع للأسمنت فى الشرق الأوسط ببنى سويف.
من الغريب أن أحدث تقارير البنك الدولى لعام 2020 تشير إلى تحسن الاقتصاد الكلى لمصر، وفى نفس الوقت تشير إلى زيادة نسبة الفقر، ومن الغريب أيضا أن نسمع عن زيادة فى إنتاج الغاز وإنتاج البنزين، وأيضاً و فى نفس الوقت تنويهات عن زيادات متوقعة فى أسعار الغاز والبنزين، التحسن الاقتصادى لم ينعكس على المواطن ولم يحقق تحسناً فى مستوى معيشة الفرد نظرا، لغياب عدالة توزيع الاستثمارات جغرافيا أى غياب التنسيق.
يمكن للدولة أن تتفرغ بالأساس لهذا التنسيق لو فوضت الكثير من السلطات من الحكومة المركزية إلى الإدارات المحلية، واهتمت هى بالتنسيق النهائى الكلى والسياسات العامة والكافية لرفع الكفاءة الإنتاجية والتنموية لكل محافظة على حدة، وليس بالتنسيق الجزئى ليحقق الحكم المحلى استقلالا فى ظل سيادة الدولة، فبتطوير الإدارة المحلية سنصل إلى الحكم المحلى التنموى والاستقلال النسبى لكل إقليم فى إدارة شؤونه المحلية وتنمية موارده ذاتياً وبصورة مستدامة، ومن ثم تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية بكل محافظة بعيدا عن مخصصاتها المالية فى الموازنة العامة للدولة.