البث المباشر الراديو 9090
محمد فياض
هل جربت أن تسأل نفسك لماذا تريد أن تدخل الجنة؟ هل تريد أن تحيا فى خلود، أم فى سلام نفسى، أم حتى تتحقق كل أحلامك التى حُرمت منها، أم خوفاً من دخول النار، أم طلبا للمحبة، أم لأنك تحب الله وتريد أن تراه؟

بالطبع ستتفاوت الإجابات بين هذا وذاك، سيبحث كلاً منا فى الجنة التى يحلم بها عما ينقصه، عما يحلم به، عن نفسه المفقودة، وأحلامه، باختصار فإن هذا الفردوس الغامض المدهش هو حلم البشرية الأزلى، هذا الحلم الكائن عن سدرة المنتهى، حيث جنة المأوى.

هذا الساجد فى مسجده وهذا المُتعبد فى كنيسته ومعبده، الجميع يحلم بالجنة، وهناك على الجانب الآخر من البشرية هذه العناصر الظلامية التى تحلم بالجنة هى الأخرى، ولكنها تحلم بنوع آخر من الجنة جنة الجنس، هذه الجنة التى لا يحيا فيها بقلبه ولا بعقله ولكن بأعضائه التناسلية، أشد ما يغريهم فى الجنة الحور العين، وما هو العدد الذى سيكون متاحا للفرد الواحد منهم، وكما عاش عمره كله يسأل عن الفتاوى الجنسية، يحلم بأن يقضى خلوده الأخروى راقداً على مئات الصبايا ينكح وينكح ثم ينكح.

وفى الحقيقة فإننا فى دراسة التاريخ إذا أردنا أن نتفهم طبيعة مجتمع ما ننظر فى كثير من الأحيان إلى الفتاوى التى سألها أهل هذا المجتمع لنفهم كيف فكر وما هى إشكالياته وأولوياته فيما يعرف بكتب الفتاوى والنوازل، وبنفس القياس فليس عليك عزيزى القارئ إلا أن تحلل تساؤلات الإسلاميين فى منتدياتهم وبرامجهم وأطروحاتهم لتفهم مدى سيطرة العقدة الجنسية.

فمثلاً إذا أردت أن تعيش فى حالة هستيرية من الضحك، ليس عليك إلا أن تدخل بعض المنتديات والصفحات لهذه الجماعات والتى تتناقش فى مثل هذه الموضوعات وتقرأ التساؤلات وكأنك تراهم سائلاً الزبد من أفواههم، فضلاً عن التعليقات المدهشة مثل تلك التى استوقفتنى كثيراً لهذا الرجل الذى ينتظر الجنة بشغف حتى تعود له قدرته الجنسية بدون الاعتماد على أى منشطات، لأنها تسبب له الصداع والزغللة، أما هذا العبقرى الذى اتضح من تعليقه ضيقه الشديد من أن تكون زوجته المريضة التى صبر عليها كثيرا فى الدنيا ضمن جيش حريمه الأخروى، ولكن فضيلة الشيخ طمأنه بأنها ستعود لها عافيتها واستدارة جسدها، فضلاً عن هؤلاء الذين يسألون بنهم غريب ومثير عن الغلمان كإحدى العناصر المكملة لفسيفساء رغباتهم الجنسية المكبوتة.

وفى ذات السياق فقد تبارى باحثيهم ليكتبوا ويحققوا ويخرجوا أطروحات تفصيلية عن هذه المتع الجنسية المدهشة التى سيلاقيها هؤلاء المكبوتين فى الجنة، آخرها كان هذا الكتاب المعنون بـ"النعيم الجنسى لأهل الجنة" (دراسة مفصلة عن الحور العين وأزواجهن ملوك الآخرة) طبعة 2014، ومن الرائع أن الكاتب كتب أنها دراسة مفصلة حتى يعرف كل رجل حقوقه الجنسية الكاملة وخصوصاً لو كان شايل همومه الجنسية على كتفه.

وعندما يبرز صوت العقل لأحد هؤلاء الغيارى على صورة الجنة المقدسة يتبارى هؤلاء الملتاعين مدافعين باستماتة عن حلمهم السرى، فها هو أحد المدافعين عن الفكرة بقول بمنطق غاية فى السطحية: "إن هؤلاء الذين يرددون هذه الافتراءات كيف أتوا إلى الحياة.. أليس بالعلاقات الجسدية؟ وعندما يتزوجون ألا يمارسون العلاقات الجسدية فلماذا لا تصفون حياتكم الآن التى تحيونها فى الدنيا بهذه الصفات التى تنعتون بها حياتنا فى الجنة؟ ولماذا إذا تسخرون من حياتنا فى الجنة رغم أننا لا نقول فى معتقداتنا بوجود الله مباشرة وبحضوره وحضرته معنا فى الجنة، أليس الحكم على الناس بمعتقداتهم؟

نحن بشر وسنظل بشر وحتى إن كان ما ذهبوا إليه صحيحا من أننا سنكون فى خلق آخر ليس فيه ذكور وإناث لكن من صفات هذا "الخلق الآخر" إنه أيضا له ما للبشر بأجسادهم البشرية، سنأكل فى الجنة كما نأكل هنا - وهل فى الأكل عيب؟ - وسنشرب فى الجنة كما نشرب هنا - وهل فى الشرب عيب؟ - وسنتزوج فى الجنة كما نتزوج هنا؟ - وهل فى الزواج عيب؟

وها هو عبقرى آخر يرد ويقول ما الذى جَرّأ أهل القانون والصحافة أن يخوضوا فى مثل هذه المسائل؟ وهى مسائل غيبية لا يُثبَت ولا يُنْفَى منها شئ إلا بِدليل، ثم أين احترام التخصص؟ ويكفى فى ردّ هذا القول أنه لم يَقُل به أحدٌ مِن علماء الأمة فيما أعلم ويَلْزَم مِن هذا القول: القول بأن أهل الجنة لا يأكلون ولا يشربون، بزعم أنهم ليسوا "فى حاجة إليهما"، ولأن دوافِع الأكل والشرب غير موجودة فى الجنة وهذا خَرْق للإجماع المنعقد على أن أهل الجنة يأكلون ويشربون والأدلة الصحيحة الصريحة جاءت بإثبات الاستمتاع الجنسى فى الجنة، هذه هى أفكارهم المنتصبة أبداً.

وفى حين دافعوا ونافحوا على حق الرجل فى ممارسة الجنس فى الجنة وفض مئات البكارى، لا يتحدثون مثلاً عن حقوق المرأة الجنسية فى الجنة وكأنها محض خيالات ذكورية بحتة.

إننا فى حقيقة الأمر أمام جنة من نوع خاص، جنة هذه العناصر التى تمارس نوعاً متطوراً من الاحتلام المكبوت فتنمو لديها اندفاعات ورغبات جنسية غير طبيعية ففرغت نعيم الجنة الأبدى فقط فى الجنس والحور العين والنكاح بمنظور دنيوى بعيداً تمام البعد عن الفكرة الإلهية المقدسة، عن الفردوس والنعيم والسلام.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز