الدكتور حسن سلامة
وتعد الأحزاب الطرف الأصيل فى العملية السياسية عبر أعضائها، ومرشحيها الذين يعبرون عن أهداف الحزب، ويعتنقون المبادئ التى يتبناها ويروجون لها بين جموع المواطنين، ونجاح تلك الأحزاب فى خلق بيئة تنافسية صحية يمثل دعما للإطار العام للتنمية السياسية فى مصر.
ولعل الإعلان عن تشكيل ما عرف بـ"القائمة الوطنية الموحدة" التى ضمت أحد عشر حزبا مختلفى التوجهات والمشارب فى تحالف انتخابى؛ تفتح الباب أمام قراءة متأنية ولازمة لواقع الحياة الحزبية فى مصر، وصولا إلى طرح مقترحات الإصلاح التى تستهدف تفعيل الوجود الحزبى، وإتمام عملية التنشئة السياسية للفرد ومن ثم المجتمع، على نحو صحيح.
دراسة فى الأصول:
يمثل الحزب تجمعا من الأفراد الذين يعتنقون ذات المبادئ ويؤمنون بها، ويسعون عبر مجموعة من الأليات إلى إقناع جموع المواطنين ببرنامج محدد وواضح، سعيا للوصول إلى السلطة، وتنفيذ هذا البرنامج الذى اختار المواطنون الحزب على أساسه.
وتعد النشأة الأكثر شيوعا للأحزاب هى التى تبدأ من القاعدة إلى القمة وليس العكس، فثمة قيادة تؤمن بمجموعة من الأفكار وتروج لها وتستقطب المؤيدين للأفكار وللقيادة معا، بحيث يرتكز الحزب على أساس شعبى حقيقى دون أن يمنع ذلك وجود قيادة تتسم بالقدرة على التأثير "كاريزمية".
وعرفت مصر الظاهرة الحزبية منذ أوائل القرن العشرين، تحديدا فى عام 1907 الذى اشتهر تاريخيا بأنه قد شهد فجر الحياة الحزبية، فى إشارة إلى بزوغ مجموعة من الأحزاب التى ساعد على ظهورها عدة عوامل كان من أهمها الظرف التاريخى الذى مرت به مصر، حيث كانت تخضع للاحتلال البريطانى منذ عام 1882، بالإضافة إلى بروز عناصر من النخبة المصرية الوطنية التى تنادى بالاستقلال، ووجدت ضالتها فى جموع من المؤيدين، الذين توزعوا على توجهات مختلفة فى الوسائل ومتفقة على الأهداف، وكان من بينها الحزب الوطنى وحزب الأمة وحزب الإصلاح على المبادىء الدستورية.
وأعقب استقلال مصر عام 1922 وإصدار أول دستور خلال القرن العشرين وهو دستور 1923، تكوين عدة أحزاب جديدة، كان فى مقدمتها حزب الوفد، الذى تحول من حركة اجتماعية شعبية ثورية إلى حزب سياسى وحاز قاعدة تاييد شعبية واسعة النطاق، فى ضوء نضال زعمائه لصالح القضية الوطنية، بالإضافة إلى عدة أحزاب أخرى استند بعضها إلى دعم القصر، فيما وجد آخرون السند من الاحتلال الإنجليزى.
وترجم التأييد الشعبى للوفد فى الفوز بأغلبية مقاعد البرلمان وتشكيل الحكومة استنادا إلى طبيعة النظام البرلمانى الذى حدده الدستور، فيما عرفت الأحزاب الأخرى (أحزاب القصر – الإنجليز) بأحزاب الأقلية، وسميت الفترة الممتدة من عام 1924 وحتى عام 1952 بالفترة الليبرالية، فى إشارة إلى أجراء انتخابات نيابية وتنافس سلمى على السلطة بين الاحزاب القائمة آنذاك، بما يكرس حقيقتين أساسيتين، أولهما ترتبط بالوظيفة الأساسية للأحزاب من السعى إلى السلطة لتنفيذ برامجها وتحقيق غاياتها التى اقتنع بها جموع الناخبين أو تحقيق الجاهزية فى حال سقوط الحكومة عبر فريق سياسى قادر على قيادة الدولة ولو لفترة محدودة، أما الحقيقة الثانية فقد ارتبطت بالتنشئة على فكرة المشاركة والاختيار عبر آلية الانتخاب، مع تحفظات كثيرة.
لم تخل تلك الفترة من سلبيات كثيرة من بينها التدخل الإدارى لإسقاط حكومة الوفد، عبر حوادث بعضها متعمد، وكان فى صدارتها مقتل السير لى ستاك، السرادار البريطانى للسودان، وتوالت الأحداث تباعا ليبقى الوفد فى الحكم نحو ستة أعوام ونصف فقط، من جملة الفترة المذكورة، فيما بقيت غالب الأحزاب الأخرى وهى أحزاب الأقلية رهن إشارة القصر أو الاحتلال، وهو ما يشير فى التحليل الاخير إلى حالة من عدم الاستقرار السياسى زادت حدتها مع اقتراب ثورة يوليو 1952 وكانت مؤذنة بقيامها.
ثورة يوليو التنظيم السياسى الوحيد:
أعقب ثورة يوليو 1952 إلغاء الأحزاب السياسية والاتجاه إلى تبنى مفهوم التنظيم السياسى الوحيد بداية من هيئة التحرير، مرورا بالاتحاد القومى وصولا إلى الاتحاد الاشتراكى الأكثر شهرة والأطول عمرا، وفرضت هذه التنظيمات الانتقال من حال المشاركة – حتى وإن كان شكليا – إلى التعبئة لصالح النظام السياسى الجديد الذى أعقب الثورة.
ولعبت هذه التنظيمات مجتمعة – على اختلاف مسمياتها – دورا فى الحشد الشعبى لصالح السياسات الثورية، التى استهدفت بناء مجتمع أكثر عدالة مختلف عما قبل الثورة يتأسس على رفض التعددية بحسبانها التى أفضت إلى تشرذم المجتمع وتفتيته إلى سادة وعبيد، حيث كان يعرف بمجتمع النصف فى المائة، وكانت الممارسات السياسية السلبية عبر تدخل القصر والاحتلال واستجابة زعماء الأحزاب، ما قبل الثورة عاملا من عوامل هذه الثورة المجيدة.
وأفرزت هذه التجربة العديد من الكوادر السياسية التى تتبنى فكرا معينا لكنها كانت قادرة على التعبير عنه، واستقطاب المؤيدين له عبر قناعات شخصية وتدريب مؤسسى مكثف، كان ذراعه الأشهر منظمة الشباب.
تجربة المنابر وعودة التعدد الحزبى:
جاءت تجربة المنابر لتمثل حلقة وسط بين التنظيم السياسيى الوحيد والتجربة الثانية للتعدد الحزبى فى عام 1976، ووافق الرئيس السادات على تشكيل 3 منابر تمثل التوجهات الرئيسية الكبرى – اليمين واليسار والوسط – داخل الاتحاد الاشتراكى، بحيث تسمح بمساحة من حرية النقاش داخل الكيان القائم دون السماح بتفتيت الرأى النهائى، وهو ما تواكب مع توجهات اقتصادية جديدة بعد حرب اكتوبر 1973 وجدت ترجمتها فيما عرف إعلاميا بالانفتاح الاقتصادى، الذى كان يبحث عن ركيزة سياسية أكثر ليبرالية من ذى قبل.
وخاضت هذه المنابر تجربة الانتخابات البرلمانية فى عام 1976، التى كانت مؤذنه بعودة الأحزاب من جديد بناء على قرار الرئيس السادات.
جاءت تجربة التعددية الحزبية المقيدة على خلفية القانون رقم 40 لسنة 1977 ليتواصل ظهور الأحزاب السياسية سواء عبر لجنة شؤون الأحزاب أو بمقتضى أحكام قضائية، حيث رسم القضاء الخريطة الحزبية كثيرا إبان الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين، ليصل عدد الأحزاب قبل ثورة يناير إلى 24 حزبا يقودهم حزب كبير مسيطر هو الحزب الوطنى الديمقراطى، الذى ورث الاتحاد الاشتراكى، وورثه الرئيس الأسبق مبارك، حتى تم حل الحزب بمقتضى حكم قضائى عقب ثورة يناير 2011.
لم تلعب الأحزاب القائمة، قبل ثورة يناير دورها السياسى المطلوب كمعارضة وطنية، لديها رؤية وبدائل فى مواحهة الحزب الحاكم آنذاك، بقدر ما سيطرت عليها الخلافات الداخلية والمصالح الشخصية التى لم تجعل منها سوى كيانات ورقية لا يتعدى تاثيرها – إن وجد – حدود مقراتها فى مقابل بروز عدد من الحركات الاجتماعية ،التى مثلت تعبيرا عن فقدان الثقة فى الظاهرة الحزبية، وإمكانية قيامها بدور الوسيط فى نقل توجهات والتعبير عن مصالح المؤيدين لها.
أعقب ثورة يناير مجموعة من التعديلات الميسرة للإنشاء على قانون الأحزاب، ليصل عددها فى الوقت الحاضر إلى أكثر من 104 أحزاب لا يمثل منها فى برلمان 2015 سوى عشرين حزبا يتقدمهم حزب كبير، فيما تتوزع باقى المقاعد بنسب مختلفة على باقى الأحزاب الأقل فى التمثيل والتأثير.
تحليل الوضع الراهن:
تظهر أحدث استطلاعات الرأى غياب المعرفة السياسية لدى قطاع معتبر من المواطنين المصريين بالأحزاب السياسية – رغم كثرة عددها – بداية من معرفة أسمائها وزعمائها فضلا عن أدوار تلك الأحزاب الحقيقية فى إطار نظام سياسى يقوم على التعددية الحزبية، وفق نصوص الدستور الصادر عام 2014، ولا يمكن إعفاء الأحزاب الممثلة فى البرلمان من هذا الأمر، فليس التمثيل فى البرلمان معيارا كافيا على جماهيرية الحزب أو شعبيته، فى ضوء الاعتبارات والبيئة، التى تجرى فيها الانتخابات البرلمانية، والتى قد تحتاج إلى تحليل منفصل.
يرتبط بذلك حالة من فقدان الثقة فى هذا الكيانات الحزبية واعتبارها مجرد كيانات شكلية ليست لها قواعد تأييد شعبية حقيقية فى الشارع السياسى – رغم محاولات البعض تحقيق ذلك بوسائل مختلفة – بحيث أضحى الحزب فى كثير من الأحيان معبرا عن مصالح قياداته، دون أن يؤدى الدور المطلوب منه فى التعبير عن مصالح قطاعات وتوجهات بعينها.
ولعل هذه النتيجة التى نشير إليها تستدعى بالضرورة التأكيد على حقيقة مهمة مفادها غياب المعرفة بوظائف وأدوار الأحزاب السياسية، فالوظائف تتعد ما بين التنشئة السياسية الى التجنيد السياسى، مرورا ببلورة المصالح، وصولا الى التعبير عن المصالح وتمثل كل وظيفة من هذه الوظائف مرحلة من مراحل عمر الحزب واستراتيجيته للوجود السياسى، وأحسب أن القراءة المتأنية لتلك الوظائف، وكيفية تنفيذها تعد الركيزة الأساسية للإصلاح.
التحديات التى تواجه الأحزاب:
- تراجع الفعالية السياسية ممثلة فى ضعف معرفة الناخبين بقيادات وأعضاء الأحزاب البارزين نتيجة غياب الشخصيات المؤثرة صاحبة القيادة الكاريزمية.
- غياب الكفاءة السياسية متمثلة فى عدم قناعة أعداد غير قليلة من المواطنين بتوجهات الأحزاب أو ترجمتها لمصالح قطاعات شعبية بعينها.
- الخلط الواضح لدى كثير من قيادات الأحزاب بين الدور السياسى الرئيسى للحأزاب ووظائفها، وبين العمل الخيرى أو نشاط الجمعيات الأهلية.
- الاستمرار فى ذات الممارسات الموروثة عن أحزاب سبقت باستغلال حالة العوز الاقتصادى للمواطنين وتوجيههم لصالح التصويت لهذا الحزب أو ذاك.
- عدم الاهتمام ببناء قاعدة طلابية من شباب الجامعات عبر برامج تنشئة سياسية وطنية.
- ميل أغلب المنضمين للأحزاب إلى الحصول على منافع شخصية، حتى وإن جاءت على حساب المصالح الوطنية أحيانا.
- ضعف أدوات التسويق والاتصال السياسى لدى كثير من الأحزاب، سواء عبر الطرق التقليدية أو ووسائل التواصل الحديثة فى الإعلام الرقمى.
مقترحات التفعيل:
- التفكير الجدى فى بناء تحالفات حزبية – استجابة للدعوات المتكررة من جانب الرئيس السيسى – تضم الأحزاب متقاربة الأفكار لتقليص العدد، وسعيا لمزيد من الفعالية والكفاءة السياسية.
- البدء الفورى فى إعادة هيكلة قيادات العديد من الأحزاب عبر شخصيات واعية تحظى بالثقة، فى ضوء القناعة بان الاحزاب تشهد تراجعا فى شعبيتها.
- استحداث مجموعة من الأمانات المركزية داخل الأحزاب، تعكس مؤسسيتها من ناحية ومواكبتها للمستجدات داخليا وخارجيا من ناحية أخرى، ومن الممكن مناقشة أسماء وأدوار هذه الأمانات فى مقال مستقلة.
- تعزيز دور أمانة التثقيف والتدريب عبر دورات مكثفة لأعضاء الأحزاب، فى محتلف المحافظات، لخلق كوادر ذات ثقة ومصداقية وقدرة على التواصل.
- اللجوء إلى علم التسويق السياسى عبر خطة استراتيجية واضحة تتضمن العديد من المكونات، لتحسين الصورة الذهنية للأحزاب، ويمكن مناقشة مكونات هذه الخطة فى مقال مستقل.
- استبعاد كثير من الشخصيات التاريخية المرتبطة بالنظام السابق على مراحل واستبدالها بنخب جديدة.
- تعزيز وتفعيل دور تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، وتقييم أدائها دوريا ليتسنى تحقيق الهدف منها فى بناء نخبة سياسية أكثر وعيا تقود المستقبل على أساس معرفى واضح.
- تنظيم دورات تدريبية لأعضاء الأحزاب خاصة من الشباب داخل الأكاديمية الوطنية للتدريب عبر برامج متدرجة فى محتواها والمشاركين فيها.
- الوقف الفورى للممارسات التى تكشف عن استغلال حالة العوز الاقتصادى للمواطنين، وإعادة تدويرها بصورة مختلفة، ويمكن مناقشة هذه الصور لاحقا.
- الفصل التام بين أنشطة الجمعيات الأهلية وبين وظائف الأحزاب السياسية، ويمكن مناقشته لاحقا بالتفصيل.
- تنظيم دورات تدريبية لشباب الجامعات، دون مقابل على التنشئة السياسية، بما يوفر رصيدا يستند إليه.
- الفهم الصحيح لمهارات التواصل مع جموع الناخبين، والبعد عن الموسمية فى التعامل.
- الاشتباك مع القضايا الوطنية وتقديم بدائل وحلول واقعية لها، مما يعزز صورة الحزب لدى المواطنين.
- مناقشة والاستفادة من التجارب الحزبية فى المحيط القارى أو الدولى، ويمكن تخصيص مقال مستقل لهذا الأمر.
- الدعوة إلى عقد مؤتمر موسع لإصلاح الحياة الحزبية فى مصر تتبناه وترعاه رئاسة الجمهورية، واستعراض رؤى الإصلاح المقترحة من الأحزاب المشاركة والبناء عليها.
- البدء الفورى فى هذه الإجراءات، بدلا من التلكؤ وإعادة التفكير، لما يمثله التأخير من خصم من رصيد الأحزاب.
إن الحياة السياسية لا تقوم على الفرد المستقل بقدر ما تتأسس على الكيانات المتنافسة عبر رؤى وتوجهات متعددة قد تختلف فى الأدوات لكنها تتفق على خط أحمر لا يمكن تجاوزه وهو المصلحة الوطنية، ولعل الفهم الدقيق لوظائف الأحزاب وطرق عملها قد يمثل نقطة البداية الحقيقية نحو الإصلاح، إن بداية الطريق لابد أن تأتى من الداخل – داخل الحزب ذاته قبل الحديث عن دور مواز للدولة فى توفير البيئة الداعمة، ففهم الحزب وقياداته لأدواره وبناء رؤى استراتيجية للتفاعل والتكيف والاستمرارية شرط لازم وضرورى قبل أى حديث آخر.