الدكتور محمد فياض
الحسن بن الصباح ينجح فى إقامة تنظيم خطير وهو تنظيم الحشاشين فى أواخر القرن الحادى عشر الميلادى الخامس الهجرى، متخذا من قلعة "ألموت" فى بلاد فارس عاصمة لهذا التنظيم، وقد عملت هذه الحركة على هز العروش والجيوش منطلقة من الدعوة الدينية ومتخذة الشعار الدينى نقطة ارتكاز لها، فكانت أداة للقتل والرعب والتدمير صانعة حالة من الإرهاب والفزع فى العالم الإسلامى.
لقد قام الحسن الصباح بوضع تنظيم كان هدفه الإرهاب والإرهاب فقط، فأسس نظام خاص قوامه السرية والطاعة العمياء، مقسما جماعته لمراتب ودرجات كانت على النحو التالى:
مرتبة شيخ الجبل : هو زعيم التنظيم والمرشد الأعلى، كان يلقب بلقب مولانا أو سيدنا، وقد بلغ أعضاء التنظيم فى طاعته مبلغاً متطرفاً حتى أن الرحالة ابن جبير قد عبر عن ذلك قائلا: "فكان شيخ الجبل يأمر أحدهم بالتردى من شاهق الجبل فيتردى ويستعجل فى مرضاته"، أما المرتبة الثانية من مراتب الدعوة فكانت لكبار الدعاة، والمرتبة الثالثة هى مرتبة الدعاة، والمرتبة الرابعة مرتبة الرفاق، أما المرتبة الخامسة وهى الأهم هى مرتبة الفداوية.
وفى الحقيقة فإن مرتبة الفداوية كانت المرتبة الأهم والأخطر، حيث عدت القوة الضاربة التى حققت رغبات شيخ الجبل، لا مجال للسؤال أو النقاش، فقط السمع والطاعة، كما كانت هناك شروط أساسية فى اختيار الفداوية فيجب ألا يتعمق عضو الفداوية فى أصول الدين والمذهب، كما كان يتم اختيار من تتوفر لديهم الشجاعة والقوة بعد تدريبهم على حمل السلاح والتدريب على الفروسية، بالإضافة إلى ذلك يتم تسليحهم بخناجر مسمومة لاستخدامها فى مهامهم الاغتيالية القذرة، فضلاً عن تكليفهم بالسفر لأى مكان لتنفيذ أى عملية اغتيال تُطلب منهم حتى لو علموا أن العملية انتحارية وأن نجاحها يعنى نهاية لحياتهم، كمسوخ بشرية عملاقة بلا عقل وبلا إرادة.
المشهد الثانى:
حسن البنا ينجح فى إقامة تنظيم خطير وهو تنظيم الإخوان المسلمين فى عام 1928 هدف إلى أستاذية العالم وإلغاء الحدود بين العالم الإسلامى هادفا للوصول للسلطة والسلطة فقط، فكانت أكبر حركة معارضة سياسية، حتى كشرت عن أنيابها وأظهرت نواياها لتصبح أكبر حركة إرهابية متطرفة، ولتصبح مظلة فكرية ودعوية خرجت من تحت عبائتها كل التنظيمات الإرهابية المتأسلمة فى العالم.
لقد قُسمت مراتب الدعوة الإخوانية الى محب ثم مؤيد ثم منتسب ثم منتظم ثم عامل ثم كادر إخوانى، كما تم تأسيس النظام الخاص عام 1940 ذلك التنظيم الذى كان بمثابة قوة ضاربة للجماعة، فحمل أعضائه السلاح متورطين فى عمليات اغتيال لكبار الشخصيات، وقد اشترط فى عضو هذا التنظيم أن يكون من صفوة المخلصين فى الإخوان، كما كان ضرورى أن يجتاز اختبارات عسكرية غاية فى الصعوبة، وكان يقسم قسم البيعة على المصحف والمسدس كدلالة واضحة المعنى على صورة اليد الباطشة لكل معارضى الجماعة أو كل مخالف لهوى حسن البنا.
وما بين الحسن الصباح وحسن البنا جرت فى نهر الإرهاب مياه كثيرة !!!، وفى الحقيقة فإننا لو أردنا أن نعقد مقارنة سريعة بين التنظيمين لوجدنا تشابهاً مخيفا، وقد يكون التقسيم التالى تعبيرا جيدا عن الفكرة:
شيخ الجبل ـــــــــــــــــــــــــــــــــ المرشد العام
كبار الدعاة ــــــــــــــــــــــــــــــــ مكتب الإرشاد
مرتبة الدعاة ــــــــــــــــــــــــــــــ كادر إخوانى
الرفاق ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عامل
الفداوية ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ التنظيم الخاص
كما اتفق التنظيمين على تقسيم العالم الى عدة أقسام دعوية، وهو ما سار عليه أيضاً تنظيم القاعدة وانضمت إليهم داعش مؤخرا، كما أمر الحسن الصباح أعضاء الفداوية بلبس أقنعة سوداء ليتخفوا ورائها وقد يكون مناسبا أن نتذكر مشهد ميليشيات الأزهر الإخوانية وعناصر بيت المقدس الإرهابية التى تعتمد هذه الأقنعة أيضا.
على أية حال فقد كان الحسن الصباح يستخدم وسائل سحرية للسيطرة على أفئدة وعقول هؤلاء المسلوبين نفسيا، وقد وصل الحال بأن عبرت بعض المصادر التاريخية أن الحسن الصباح قد قام بصنع صورة مصغرة للجنة من حدائق وقصور وبساتين وقنوات من الماء والعسل واللبن والفتيات العذارى والغلمان والظرفاء والأروقة الذهبية فى وصف أسطورى بديع، وقد استمرت هذه المصادر فى الحديث عن كيفية السيطرة الكاملة على الفداوية، فكان شيخ الجبل يدعوا بعض الفداوية على مائدة غناء من الطعام، ثم يبدأ فى إعطائهم نبات الحشيش حتى إذا سرى مفعول الخدر فى أجسادهم أمر بحملهم إلى الجنة لقضاء عدة أيام ليتنعموا فيها ثم يعاد تخديرهم مرة أخرى ليجلسوا فى نفس المكان الذى كانوا يجلسون فيه أمام شيخ الجبل وليسألهم أين كنتم ؟ وتكون الإجابة المفعمة بالانبهار بأنهم كانوا فى الجنة، وهنا يكون الوعد المغرى، قائلا: "إذا كرستم أنفسكم لطاعة أوامرى سوف تجدون السعادة فى انتظاركم وسوف يحملكم ملائكتى إلى الجنة للتمتع بها" وأمام هذا يكون الموت رخيصاً والاغتيال سهلاً والإرهاب محببا لأجل عين الجنة ونعيمها.
وفى الحقيقة فإن العديد من الباحثين والمؤرخين رفضوا القول بوجود هذه الجنة الأسطورية والاستعاضة عن ذلك بالقول أنها جنة معنوية ذهنية تخلقت من قدرة الحسن الصباح على غسيل مخ هذه العناصر الفقيرة فكرياً والضحلة ذهنيا، وأن هذه المقدرة على سحر لباب هؤلاء الجهلاء جعلتهم أداة لينة فى يد ابن الصباح، يضرب بها من يشاء ويبطش بها بمن يشاء، وهو ما يفسر وصايا الحسن الصباح بعدم إلقاء مبادئ الدعوة فى "بيت به سراج منير" أى عدم نشر مبادئ الدعوة لأى فرد له علاقة بالعلم والفكر.
ومهما يكن من أمر فقد برع هؤلاء حسب وصايا ابن الصباح فى التنكر وابتداع وسائل للاغتيال، كما كان ابن الصباح يعتمد وسائل أخرى بعناصر أخرى مثل توجيه أسئلة ملغمة لبعض العلماء المشهورين فى المساجد وإذا عجزوا عن الرد يتحول اهتمام الموجودين فى المسجد إليهم وكانت هذه إحدى وسائل الاستقطاب، فضلاً عن زرع بعض عناصرهم فى المساجد التى استخدموها لنشر سمومهم الفكرية مستغلين الاستعداد الإيمانى والضبابية الفكرية لبعض رواد المسجد، فيقع المُغرر به فى الفخ وتبدأ رحلته مع عالم الإرهاب.
إننا لو حاولنا رصد هذه المشاهد سنجد أنفسنا أمام جماعتين غاية فى التطابق من حيث الأهداف والمبادئ والعناصر والاستقطاب والجنة المعنوية ثم سحق هذه العناصر المؤمنة بأفكار وهمية مقابل المكاسب الجمة التى جناها هؤلاء الزعماء على رقاب الجميع.
وهكذا سطر الحسنين الحسن الصباح وحسن البنا، تاريخ الإرهاب فى العالم الإسلامى على صفحات من الخوف والفزع والرعب بسطور من دم.