البث المباشر الراديو 9090
الدكتور حسن سلامة
هل تلاشت قيم  ثورة  يوليو 1952 بعد مرور هذه السنوات الطوال ؟

سؤال قد يفرض نفسه فيما تحل علينا الذكرى الثامنة والستون للثورة

إن الاجابة عن هذا السؤال تستدعى من التاريخ ملابسات تلك الثورة المجيدة وتداعياتها على وجه الحياة داخل المجتمع قرابة سبعين عاما . وبيان مدى استمرارية القيم التى افرزتها من عدمه

ما هى الثورة:

هى حالة انقطاع تام عن كل اركان النظام السابق عليها وبناء نظام جديد مختلف المعالم والأركان.. فهى ليست هدما لنظام سابق فقط وإنما أيضا بناء وتدشين لأركان نظام جديد. وإذا كانت الثورة حدثا استثنائيا بحكم أن سنة الحياة التطور التدريجى وبصورة تراكمية إلا أن فشل القنوات الاجتماعية والسياسية فى احتواء مطالب التغيير والاستجابة لها وعجز تلك المؤسسات عن استمرار التواصل مع القوى المطالبة بالتغيير يؤدى إلى تهيئة البيئة الموضوعية لحدوث الثورة.

الثورة إذن علامة فارقة فى حياة الشعوب تتجاوز مجرد تغيير شكل النظام السياسى أو الاقتصادى.. الثورة تحول مفصلى فى مسار المجتمع عبر قوانين ومؤسسات وقيم وثقافة جديدة، تنجح جميعها فى اكتساب الشرعية عبر إيمان المواطنين بالقيم التى صاحبت الثورة وأكدتها مشروعاتها المستجدة للتطور المجتمعى وبناء نهضة أكثر شمولا.

ولأن التطور سنة الحياة فقد تتغير المؤسسات والقوانين التى أفرزتها الثورة ولكن تبقى القيم الأساسية التى رسختها تلك الثورة فى ضمير المجتمع خاصة إذا ما كانت ترسم معالم مجتمع  متوازن ومتطور .

فالثورة الفرنسية بكل مبادئها من الحرية والإخاء والمساواة دعمت وطورت المجتمع نحو الأفضل وما تزال تلك المبادىء حاكمة لمسار التفاعلات الاجتماعية والسياسية والثقافية.

ثورة يوليو والقيم:

لعلى لا أبالغ حين أقول إن هذه الثورة من أهم أحداث تاريخ مصر المعاصر وأسهمت فى تغيير وجه مصر والعالم العربى فى مختلف المجالات، فلم تكن ثورة سياسية غيرت شكل نظام الحكم إلى الجمهورية بدلا من الملكية ولم تكن ثورة اجتماعية سعت إلى تحقيق قيمة العدالة وإنهاء مجتمع النصف فى المائة الذى كان يتحكم فى مصائر ملايين البشر، ولم تكن ثورة وطنية ضد المستعمر تستعيد الدولة الوطنية المستقلة التى تمتلك قرارها دون تبعية أو انحياز منطلقة من المصلحة الوطنية، لم تكن ثورة ثقافية رسخت قيمة العلم والعمل والسعى نحو الأفضل وخلقت إيمان المواطن بنفسه وقيمته  وكرامته، لم تكن ثورة يوليو ذات بعد واحد وإنما كانت متعددة الأبعاد بحيث تركت أثرها الواضح على مختلف مناحى الحياة فى مصر.

كانت الحياة السابقة على الثورة بيئة خصبة لقيامها نتيجة سوء أحوال الحكم والمواطنين وسيطرة قوات الاحتلال البريطانى على مقاليد الأمور وتهميش القطاع الأكبر من المواطنين أصحاب الأرض وهضم حقوقهم وانسداد قنوات التعبير عن الرأى وتوقف مسارات التطور الإيجابى لصالح القلة على حساب الأغلبية.

إن ثورة يوليو فى اعتقادى كانت هدما للقيم السلبية القائمة على التفاوت الطبقى بين سادة وعبيد والتواكل ونهب الثروات لصالح قيمة العمل  المبنى على العلم، ثورة يوليو فى اعتقادى كانت هدما لقيم للدولة المحتلة لصالح الدولة الوطنية المستقلة صاحبة القرار وصاحبة الحق فى تقرير المصير.

ثورة يوليو وثورة الثلاثين من يونيو 2013:

استرجاع قيم ثورة يوليو ليس مجرد دعوة إلى اجترار الماضى، فمصر القرن الحادى والعشرون ليست هى مصر الخمسينيات والستينيات ولكن استرجاع تلك القيم كاشف عن الرابطة الوثيقة بين تلك الثورة وما تلاها من ثورات خاصة ثورة الثلاثين من يونيو 2013 حين رفض الشعب والجيش كل المحاولات المسمومة لتغيير وجه الحياة فى مصر لصالح فئة أو جماعة على حساب الوطن. إن القيم التى أفرزتها ثورة يوليو فى وجدان الشعب المصرى وصهرت الجميع فى بوتقة واحدة لصالح الوطن باعتباره الأغلى والأعلى هى التى نجحت فى وقف هذا المخطط الشيطانى لشرذمة مصر وتقسيمها. إن تلك القيم التى تتمثل الوطن والدولة الوطنية الموحدة هى التى رفضت كل دعاوى التغيير السلبى التى تبتها جماعة إرهابية ومثلت حائط الصد الحقيقى عبر التلاحم بين الشعب والجيش أمام محاولات الاختراق وتنفيذ الأجندات المجافية للمصلحة الوطنية.

إن قيمة الاستقلال الوطنى والدولة الوطنية التى سعت إلى بنائها ثورة يوليو والزعيم جمال عبد الناصر هى القيمة والمثل الأعلى لمصر السيسى اليوم، فالدفاع عن كرامة الوطن واستقلالية القرار ورفض التدخلات الأجنبية وتبنى سياسة خارجية قائمة على تحقيق المصلحة الوطنية ونابعة من التماسك الاجتماعى الداخلى والظهير الشعبى وصون الأمن القومى عبر الرابطة الوثيقة بين المواطنين والقائد والثقة فى الضمير السياسى للقيادة الحاكمة. كلها أسس أرستها مصر السيسى فى استمرارية واضحة لقيم ثورة يوليو المجيدة من ناحية وفى مراعاة لتطور العالم ومستجداته التى فرضت دورا إقليميا ودوليا لمصر لا تتخلى عنه من ناحية أخرى. إن ما نشهده فى ليبيا المجاورة  مثلا حين رفعت صور الرئيس السيسى وصور الزعيم الراحل جمال عبد الناصر فى وجه الميليشيات الإرهابية المسلحة والغزو التركى المرفوض، يقف دليلا دامغا على استمرارية القيم الإيجابية التى أفرزتها ثورة يوليو وكرستها ثورة الثلاثين من يونيو والتلاحم الوثيق بينهما.

واستلهاما لثورة يوليو وقيمها ها نحن نتابع مسيرة الدولة المصرية من خلال قيادتها ومؤسساتها المختلفة، نحو التطورعبر رؤية تنموية استراتيجية تتبنى قيم العمل والعلم الحديث سعيا لبناء وطن قوى متقدم فى مختلف المجالات، فالمخزون القيمى والحضارى يمثل نقطة انطلاق إيجابية نحو المستقبل .

ثورة يوليو ومسئولية المجتمع :

لا يمكن إنهاء هذا المقال قبل التعرض لمسئولية المجتمع فى هذه الذكرى المجيدة العزيزة على نفس كل مواطن مصرى وعربى .. فالمسئولية فى استلهام القيم الايجابية ليست مسئولية الدولة ومؤسساتها فقط بل ينبغى أن يستهلمها المجتمع بكافة تشكيلاته وتكويناته ومن هذا المنطلق تبقى خارطة طريق ينبغى أن تتلمسها تلك الكيانات من خلال الآتى:

  • أن تتبنى الأحزاب السياسية خطة عمل عاجلة لاستعادة القيم الإيجابية المتمثلة فى إعلاء قيمة الوطن وقيمة العمل والعلم عبر دورات تدريبية مكثفة لكوادرها والمنتمين إليها.
  • أن تدمج الجمعيات الأهلية – بتنويعاتها المتعددة – ضمن أنشطتها برامج التدريب الداعمة لقيم المبادرة والمبادأة والحث على التطوع لصالح الوطن بعد أن تراجعت صوره بدرجة واضحة.
  • أن تستعيد النقابات المهنية والعمالية دورها الأساسى فى تطوير أداء أعضائها ورفع كفاءتهم فى إطار خطة تنموية طموحة بدلا من التنازع والتناحر السياسى على المناصب لصالح تيار أو فئة.
  • الدعوة إلى عقد مؤتمر وطنى جامع للشأن العام يوفر مساحة للنقاش وتحديد الأهداف الوطنية وتنسيق الأدوار .
  • إعادة النظر فى أجندة الإعلام الخاص بحيث تتوافر رؤية وميثاق واضح للجميع قوامه المصلحة الوطنية العليا .
  • تقنين المسئولية الاجتماعية للقطاع الخاص عبر نصوص تشريعية مستحدثة على قانون تنظيم العمل الأهلى، بما يضمن مشاركة فاعلة فى العمل التنموى.
  • تقنين التفاعل على مواقع التواصل الاجتماعى خاصة ما يتعلق بالبيانات والمعلومات سدا لمنافذ القيم السلبية ونشر الشائعات .

 إن تلك المقترحات المحددة وغيرها كثير تمثل نقطة البدء الحقيقية لتطور متكامل الأبعاد مستلهما قيما إيجابية ويرنو نحو المستقبل بعين قيادة واثقة وشعب واع .

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز