البث المباشر الراديو 9090
أحمد عبد الحافظ
قد يتفاجأ الكثير من غير المتخصصين أن العائق الأكبر أمام تطور العاصمة، والذى يقف أمام تخطيط مستقبلها، يقع على حدودها، إذ لا يفرق قانون الإدارة المحلية والدستور المصرى بين القاهرة كمدينة وكمحافظة، بمعنى أنه ليس هناك حدود إدارية واضحة لمدينة القاهرة داخل المحافظة، وهو الأمر الذى يجعلها فى النهاية مدينة تائهة فى دولاب الدولة ليس لها وجود على الأوراق!

يبدو الفارق بين الاسمين بسيطا، لكن دعونى أخبركم أن هذا الفارق فى المسميات يترتب عليه تعطيل مئات القرارات، وبسببه تلتبس المسؤوليات، فمع الحدود الإدارية تتضح المهام، وتعرف الحقائق حول خصائص وإمكانيات المدينة، ودورها فى تنمية الإقليم، وكيف يمكن توظيف هذه الإمكانيات، ورسم التصورات والخطط حول مستقبلها.

وتختلف المدينة عن المحافظة بشكل جوهرى فى تعريفات المتخصصين فى كون المحافظة يمكن أن تضم ريفا وحضرا، لكن المدن لا تكون إلا حضرا فقط، وبالتالى فإن النشاط الاقتصادى للمدن مختلف تماما عنه فى المحافظات، ونتيجة اختلاف المقومات الاقتصادية فى الريف عنها فى المدينة، كذلك فإنه من الممكن أن تتألف المحافظة من عدة مدن "كما هو الحال مع القاهرة".

وعادة ما تحتل محافظة القاهرة نصوص القوانين والقرارات الوزارية، وآخرها ضم مساحات إضافية لمحافظة القاهرة.

فى المقابل تنزوى تماما مدينة القاهرة، وللخروج من هذا المأزق وضعت البوابة الإلكترونية لمحافظة القاهرة وبوابة الهيئة العامة للاستعلامات تعريفا إنشائيا "تعتبر القاهرة محافظة ومدينة أى أنها محافظة تشغل كامل مساحتها مدينة واحدة، وفى نفس الوقت هى مدينة كبيرة تشكل محافظة بذاتها"، هذه العبارة المائعة لا تكفى لحل إشكالية غياب الحدود الإدارية لمدينة القاهرة، فضلا عن أنه لا أصل قانونيًا أو دستوريًا يدعمها ولا تمت للواقع بصلة.

لمزيد من الفهم يمكن أن ندرس نموذجا يوضح فيها معالم الإقليم، مثل محافظة الدقهلية، التى يحكمها محافظ وتتخذ مدينة المنصورة عاصمة للإقليم، ويعين المحافظ "ممثل رئيس الجمهورية داخل حدود المحافظة" رئيس مدينة المنصورة، ورؤساء الأحياء داخل المدينة، وهو نظام الحكم المحلى المعترف به دستوريا فى مصر، ولكن القاهرة هى المحافظة الوحيدة التى يقوم فيها المحافظ بمهام رئيس المدينة، نظرا لعدم وجود حدود إدارية لمدينة القاهرة، وبالتالى ليس هناك أى حدود قانونية تفرق بينها وبين محافظة القاهرة ككل.

يستند أنصار نظرية أن محافظة القاهرة هى نفسها مدينة القاهرة إلى أن حدود المدينة هى نفسها حدود الأقسام وهى تقريبا 41 قسما موزعة بين 38 حيًا تشملها 4 مناطق رئيسية شرق وغرب وشمال وجنوب، ويشرف على كل منطقة نائب للمحافظ يشرف على أعمال رؤساء الأحياء التى تقع فى نطاق منطقته.

ولكن هذه النظرية تعنى أن صلاحيات المحافظ لا تتجاوز حدود هذه الأقسام ولا تمتد إلى الحدود الإدارية للمحافظة، وهو أمر يختلف تماما مع قرارات تكليف المحافظين باعتبار أن المحافظ هو رئيس الجمهورية على حدود محافظته، وهو ما يستدعى أن يكون هناك رئيس لمدينة القاهرة يدير شئون المدينة فى الوقت الذى يتفرغ فيه المحافظ لإدارة إجمالى حدود المحافظة والمساحات غير المأهولة منها وغير المخططة.

كذلك فإن هذه الفرضية تتجاهل حقيقة أن حدود محافظة القاهرة تتسع لتقع فى داخلها مدينة 15 مايو وبدر والشروق والقاهرة الجديدة، وما حولها من أراض غير مأهولة، لكن هذه المدن الجديدة يمارس سلطات الدولة عليها وزير الإسكان بحكم منصبه كرئيس لهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة.

أضف إلى ذلك أنه تم تعديل حدود محافظة القاهرة مؤخرا لتشمل داخلها مدينة جديدة وهى العاصمة الإدارية الجديدة.

لكن القائم بالإشراف عليها هى شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية، وذلك فى محاولة لخلق شكل جديد من أشكال الإدارة المحلية لإدارة المدينة الجديدة، يختلف عن الشكل التقليدى للإدارة المحلية من محافظين ورؤساء أحياء، ويختلف أيضا عن أجهزة تنمية المدن الجديدة ومجالس أمنائها، ليكون الشكل الجديد من الإدارة قادرًا على إدارة مدينة مليونية من الجيل الرابع، وهى أول مدينة ذكية يتم تأسيسها على أرض مصر.

لذلك فإن عدم وجود حدود إدارية لمدينة القاهرة بشكل مستقل داخل المحافظة هو عائق كبير أمام وضع مخطط استراتيجى واضح ومحدد للمدينة، وهو تحد كبير جدا فى ظل تداخل الكتلة العمرانية للقاهرة مع محافظة الجيزة والقلوبية، ناهيك عن التحام مناطق الريف بالحضر بها بسبب التمددات العمرانية العشوائية.

إن وضع حدود إدارية لمدينة القاهرة هو أول خطوة لتحديد الدور المطلوب من هذه المدينة، وكيف ستعيل سكانها من خلال فرص العمل والخدمات، كذلك فإن الإجابة عن التساؤل حول مستقبل المدينة المفقودة فى أوراق الحكومة المصرية هو مفتاح الإجابة عن أسئلة كثيرة أهمها، ماذا نريد من العاصمة الإدارية الجديدة؟ وكيف سيكون شكل العلاقة بينها وبين المدينة القديمة؟

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز