الدكتور حسن سلامة
سؤال ربما يساور البعض خصوصًا أن الفترة الماضية شهدت سيلاً من التحليلات التى لم تستبعد الحل العسكرى كأحد السيناريوهات المطروحة فى مواجهة التعنت الإثيوبى، بل وارتفعت هذه النغمة التى تخاطب الرأى العام كأحد سيناريوهات الحفاظ على الأمن المائى لمصر.
إن القراءة المتأنية لتصريحات الرئيس السيسى الأخيرة فى شأن ملف سد النهضة تكشف بجلاء عن عدة حقائق أساسية:
- القيادة السياسية حكيمة، تعتمد سياسة النفس الطويل، وتخوض معركة حقيقية لكنها معركة التفاوض والدبلوماسية التى ستنتهى حتمًا بإقرار الحق المصرى، اعتمادًا على عدالة القضية، ومهارة المفاوض المصرى وإقتناعه بحقوق بلاده عبر خبرات تاريخية متعددة (مفاوضات طابا نموذجًا).
- مصر بقيادتها السياسية تدرك خطورة الصراعات العسكرية، وتدرك بحكمتها أن تلك التحركات قد لا تحسم صراعًا بقدر ما تستنفد كل الموارد التى كان يمكن توجيهها إلى عملية التنمية.
- مصر التى ترأست الاتحاد الإفريقى لمدة عام كامل، حققت خلاله إنجازات قارية غير مسبوقة، تبنت دائمًا فكرة الحلول السياسية للصراعات الإفريقية باعتبارها الحل الأمثل والأقرب لاسترداد الحقوق مهما طال أمده.
- هناك رؤية متكاملة للحفاظ على الأمن المائى المصرى والتصدى لمعركة الوجود التى فرضت علينا قوامها بناء قوة حقيقية من خلال العمل المستمر فى مشروعات تبطين الترع وتخفيض الهدر لمواجهة النقص المحتمل فى كميات المياه.
- مصر دولة سلام يتأسس على قوة الردع، فامتلاك قوة عسكرية قادرة على الحسم العسكرى وتغيير المشهد فى غضون ساعات قليلة كفيل بدفع الآخرين إلى إعادة التفكير دون الانزلاق إلى عمل عسكرى بالضرورة.
- المسار السياسى ينطلق من موقع القوة، فأسود مصر فى مختلف الميادين – العسكرية والدبلوماسية – قادرون فاعلون ثابتون لا يتوانون عن مهمتهم مهما كلفهم الأمر من تضحيات، وكم من النجاحات التى تحققت عسكريًا ودبلوماسيًا سيبقى التاريخ شاهدًا عليها.
- التحركات السياسية التى تتبناها القيادة المصرية تعكس إلمامًا كاملاً بمجريات الأمور فى مسألة السد وتبنى على تقديرات موقف دقيقة تعالج مستجدات الوضع لحظة بلحظة، فالقرار مؤسسى عبر التنسيق بين الجهات الفنية والسياسية ذات الصلة ليس انفعاليًا أو متأثرًا بضغوط من هنا أو هناك.
- المسار السياسى الذى تتبناه القيادة المصرية يكشف بجلاء عن مراوغة وتعنت الجانب الإثيوبى أمام المجتمع الدولى فى مقابل الشفافية وثبات الموقف المصرى، وهو ما يمكن توظيفه فى المحافل الدولية المختلفة حال اللجوء إليها، خصوصًا مع اتساق الموقف المصرى مع قواعد القانون الدولى.
- القيادة السياسية تعتمد منهج المكاشفة والمصارحة الذى لا يترك الرأى العام نهبًا للشائعات وإنما يقطع الطريق على أصحاب المصالح بحسم، ويستلهم من الشعب كل الدعم والمساندة خصوصًا فى قضية وجود وحياة كملف المياه.
- رشادة القرار لصالح المسار السياسى تعكس صورة مصر الجديدة أمام العالم انطلاقا من تكامل السياسات الداخلية والخارجية ولها تأثيراتها الايجابية عبر المساندات والمساعدات الدولية فى مشروعات التنمية التى تمثل اللبنة الحقيقية لدولة قوية.
- القائد القوى هو الذى يقود شعبه نحو التنمية والتطور والرخاء، ولعل نظرة سريعة على حجم الإنجازات والمشروعات المتحققة يكشف عن رؤية القيادة فى حتمية الحفاظ عليها ومنع أى معوقات لاستمراريتها.
- المسار السياسى الذى تتبناه القيادة يعكس إدراكها، وهى القيادة ذات الخلفية العسكرية، لمعنى وتكلفة الصراع العسكرى فى منطقة تشهد العديد من التوترات، على جودة حياة المواطن والخدمات المقدمة له، فالقيادة القوية – كما يمثلها الرئيس السيسى – تعطى الأولوية لمطالب المواطن دون المغامرة به فى أتون صراع غير مأمون العواقب.
- يعكس الإصرار على المسار السياسى منطق القوة الذى تتبناه مصر قيادة وشعبًا.. قوة الحق المدعوم قانونيًا وينتظر المساندة الدولية اللازمة لوقف التعنت الإثيوبى وإفساح المجال أمام عملية تنموية متكاملة لكل الأطراف.
- يعكس الإصرار على المسار السياسى أيضًا رؤية القيادة المصرية لمسار التنمية المستدامة فى القارة الإفريقية ككل، والتى تحملت مصر مهمة الترويج لها وما زالت فى المحافل الدولية، فالتنمية لا يمكن أن تستمر فى بيئة توتر وصراع.
- المسار السياسى الذى تتبناه القيادة المصرية يؤكد مجددًا أن التكامل الإفريقى والاستفادة المشتركة من الموارد (نهر النيل نموذجًا) نهج حتمى يفرضه واقع التاريخ والجغرافيا ويدعمه القانون، فى مقابل حالة الأنانية التى تسعى إثيوبيا إلى تسويقها بمغالطات، وافتراءات ولى للحقائق.
- القيادة المصرية تدرك حجم وثقل مصر وشعبها - عربيًا وإفريقيًا - فتتعامل بمنطق الكبار، منطق الدولة القائد التى تستوعب الأطراف الأخرى إلى أبعد مدى، مع عدم الجور أو الافتئات على حق المصريين فى الوجود.
- الإصرار على المسار السياسى يحمل فى طياته معنى المرونة التى تستجيب للمستجدات وتراعى الحقوق والالتزامات وتكفل تحقيق الأهداف بأعلى درجات الحرفية والمهنية، وهى من أهم سمات الدولة المصرية الحديثة.
- يجدد الإصرار المصرى على المسار السياسى على حتمية التلاحم بين القيادة والشعب، فالدور المجتمعى عبر الثقة فى القائد وسياساته والإيمان بأن كل تحرك هو مبنى على معلومات وتحليلات يمثل حجر الزاوية لنجاح المهمة الدبلوماسية والحفاظ على الوجود وحماية الحقوق التاريخية لأبناء النيل فى نهر النيل.
وتبقى كلمة.. إلى بنى وطنى من أبناء شعبنا الصابر الأبى أن يرتفعوا الى مستوى المسئولية بالإجادة فى العمل – كل فى موقعه - وأن يثقوا فى قيادتهم وسياستها، وأن يتركوا المؤسسات التى يناط بها ملف سد النهضة تعمل فى تأن دون تهاون، فالحق جلى واضح وما ضاع حق وراءه مطالب.