أحمد عبد الحافظ
فحين نتحدث عن شارع المعز لدين الله الذى يعتبر الآن أكبر متحف مفتوح فى العالم للآثار الإسلامية، وهو شارع يرجع تاريخه إلى عام 953 ميلاية الموافق 341 هجرية، أنه هو ذاته الشارع الرئيسى للقاهرة الفاطمية التى تم بناؤها داخل أسوار القلعة، وقد تمددت على ثلاث مراحل شيدت فى ثلاث عصور مختلفة، ويمتد الشارع الرئيسى للقاهرة الفاطمية بين باب الفتوح شمالا وباب زويلة جنوبا، ويضم 29 بناية أثرية.
شيدت مساجد القاهرة الفاطمية وقلعتها بحجارة المعابد الفرعونية، وبناءا على احتياجات السكان والحكام فى هذه الحقب الثلاث، وتحكم فى جزء كبير من النسق العمرانى لها الأنشطة التجارية والاحتياجات الاقتصادية والأمنية لهذه الكتلة السكنية الجديدة، وهو نسق قائم على فكرة أساسية هو أن هذه المنطقة هى التمدد العمرانى الجديد لعاصمة الحكم فى ذلك الوقت.
فمثلا شكل الهاجس الأمنى جزءا كبيرا من الطراز المعمارى للقاهرة الفاطمية، فأحيطت المدينة الجديدة بأسوار تغلق على سكانها بهدف حمايتهم من قطاع الطرق، بل إن الأحياء داخل المدينة صممت بحيث تكون مغلقة على نفسها، فلكل حى بوابة تحمى سكانه ليلا.
كذلك حدد النشاط الاقتصادى لسكان المدينة شكل الشوارع، إذ تم تصميم اتساع الشوارع بناءا على طريقة النقل التجارى وقتها، بحيث تسع اثنين من الحمير والبغال التى تجر العربات المحملة بالبضائع من وإلى أحياء المدينة، إذ تم تصميم الشوارع الجديدة بحيث تسع مرور ناقتين محملتين بالبضائع فى نفس الوقت، وهى أكبر حمولة ممكنة فى ذلك الوقت، وكانت تلك فكرة رائدة، حيث تم اعتمادها كمعيار أساسى فى تحديد اتساع الشوارع فى أضيق مراحله، بحيث تسمح بمرور المحمل (مجموعة من النوق المحملة بالبضائع)، فى العاصمة التجارية.
ومنذ ذلك التاريخ لم تشهد القاهرة تطورا عمرانيا كبيرا فى تاريخاها إلا فى عام 1863 وبداية فترة حكم الخديوى إسماعيل الذى أسس ما نعرفه الآن بالقاهرة الخديوية، وهى الخروج الأول على مقر الحكم القديم بين أسوار القلعة، وكانت لحظة التأسيس للمدينة المفتوحة بمفهوم العصر الحديث.
وقد تم تأسيس القاهرة الخديوية بحيث تلبى احتياجات الحكم الجديد، الذى كان يسعى لبناء نموذج ديمقراطى متطور يشبه أوروبا وثورتها الصناعية، وفى نفس الوقت يلبى احتياجات الطبقة الغنية والمتوسطة وتطلعاتهما لتأسيس مدينة تتناسب مع أول ظهور لحركة السيارات فى شوارع مصر، والتى لا تتناسب أحجامها وسرعاتها مع شوارع القاهرة الفاطمية القديمة أو شوارع العاصمة الأقدم داخل أسوار قلعة الجبل.
كان الجميع فى ذلك الوقت يرغب فى مدينة مفتوحة، تسع طبقة الأفندية والجاليات الأجنبية الكبيرة التى شكلت الهيكل الرئيسى للطبقة المتوسطة، إلى جانب البهوات والباشاوات وأصحاب الإقطاعيات الزراعية الواسعة، مدينة تشبه العواصم الأوروبية ذات الفنادق الفاخرة، والمقاهى والميادين الواسعة والحدائق والمنتزهات الخضراء، وانطلاقا من هذه الرغبة اختلف استخدام سكان المدينة للفراغات العامة، وعرفت المدينة للمرة الأولى نسق مختلف من المرافق، شبكات المياه الحديثة، والكهرباء، والتليفونات، وشبكات الصرف الصحى، وشبكات النقل، وعرفت المدينة أيضا توسعا ملحوظا فى الأنشطة الترفيهية من مسارح ومقاه وكازينوهات، وسريعا صارت القاهرة مدينة عصرية تشبه مثيلاتها فى أوروبا، بل تفوقت فى بعض الجوانب وسبقتهم.
من هنا تأتى أهمية القاهرة الخديوية بمبانيها ذات الطراز المعمارى المتميز، فبعيدا عن تصميمها الهندسى وآليات بناء هذه البنايات الضخمة فى ذلك الوقت، والتى صارت من النوادر المعمارية، بل أيضا لأن القاهرة الخديوية كوحدة واحدة تعبر عن حقبة هامة، بكل تفاصيلها التاريخية، وأحداثها وشخصياتها التى سكنت هذه البنايات.
هذه الأهمية لا تقف عند حد البنايات فقط، أو الطراز المعمارى، بل تنسحب على الحدائق والفراغات العامة والميادين.
ولازالت طبقات التاريخ تتراص فى ميادين القاهرة الخديوية واحدة تلو الأخرى، وأبرزهم ميدان التحرير، الذى شهد أهم الأحداث السياسية والاقتصادية فى القاهرة خلال ثلاث قرون، أخرها خروج الشعب المصرى فى وجه جماعة الإخوان الإرهابية، بحيث لا نبالغ إذا اعتبرنا طبقات الغبار فيه تراث، تتابع فيه الأحداث الواحدة تلو الأخرى، لا تقل أيا منها عن سابقتها أهمية.
من هنا يمكن أن نقول أن البنايات الأثرية وذات الطابع المعمارى المتميز، ليست مجرد هياكل مفردة، بل إنها جزء من نسق تاريخى متكامل ، فهى شاهد على نمط حياة المجتمع خلال مراحل تطوره، وانتكاساته، وتشكل وعيه، لذلك فإن الحفاظ عليها وعلى النسق الكامل والنسيج العمرانى الذى تضمه، هو خط الدفاع الأول عن تاريخ وذاكرة المدينة.