الدكتور حسن سلامة
كيف نقرأ نسبة المشاركة:
يمكن قراءة هذه النسبة التى بلغت 14 فى المائة عبر عدة زوايا تتراوح بين الإيجابى ونقيضه:
- من زاوية الشفافية حيث تعاملت الهيئة الوطنية للانتخابات مع النتائج بأعلى درجات المهنية والحياد بحيث تم إعلانها كما انعكست فى الواقع الذى تابعه الجميع سواء من الداخل أو الخارج وهو ما يعكس صورة إيجابية من صور الحكم الرشيد، وهنا يشار إلى الإعلان عن نسب الأصوات الباطلة وهى ليست قليلة وتعد مؤشرا ينبغى التعامل معه باهتمام بالغ سواء عبر ذلك عن قصور معرفى أو بعث رسائل سياسية مبطنة لا تخفى على أهل الخبرة.
- من زاوية المؤسسية فكثير من الجهود التى بذلت لإعداد الانتخابات ربما راعت كل الإجراءات اللوجستية ذات الصلة بإنتاج مشهد انتخابى شفاف ونزيه فى ضوء أزمة حقيقية لم تنتهٍ بعد وتتمثل فى وجود فيروس كورونا مما يهدد الصحة العامة، فالترابط المؤسسى لصالح الانتخابات نجح فى مواجهة التحديات ويمثل إضافة حقيقية للدولة المصرية، وربما أسهم فى الوصول إلى هذه النسبة التى تعد أفضل من مثيلاتها فى انتخابات مجالس الشورى الأسبق تاريخيا.
- من زاوية التنشئة السياسية يبدو واضحا من نسبة المشاركة، أن ثمة قصورا فى هذه العملية التى تتمثل فى نقل الخبرات السياسية عبر الأجيال وتفضى إلى اهتمام المواطن بالشأن العام، ليجد ترجمته المباشرة من خلال المشاركة فى الاستحقاقات النيابية كأجلى صور المشاركة، فإذا كانت التنشئة ديمقراطية تعتمد على المشاركة فى الحوار واتخاذ القرار فإن الفرد يصبح أكثر استعدادا للمشاركة من الفرد الذى تغيب عن تنشئته هذه الاعتبارات، ومهما قيل من تبريرات حول هذه النسبة المحدودة للغاية "لاسيما فى انتخابات الغرفة الأعلى" وأنها الأفضل على مدار التاريخ المصرى إلا أنها تبقى تبريرات جوفاء لا تنفى حقيقة غياب الاهتمام بمشروع قومى للتنشئة السياسية - الوطنية ومن ثم المشاركة السياسية، هذا القصور الذى تتحمل مسؤوليته أطراف عديدة ويتحمل نتيجته الناخب الذى أحجم عن المشاركة وترك مسار الاختيار لغيره غير عابىء بدور أو حق.
- من زاوية المشاركة السياسية يتضح من هذه النسبة أن قيمة المشاركة لم تترسخ بعد كقيمة أصيلة فى وجدان المواطن المصرى وهو ما قد يجد بعضا من تفسيره الجزئى فى الموروث الثقافى والخبرات السلبية فى عهود أسبق ، لكنه أيضا يعود وبكل تأكيد إلى ضعف مردود برامج الحث على المشاركة سواء من حيث التصميم أو الاستهداف أو قياس الأثر وصولا إلى تطويرها ورفع كفاءتها.
- من زاوية الثقافة السياسية تعد هذه النسبة كاشفة عن غياب الرابط بين المواطن الناخب والسياسة، فالانتخاب ليس مجرد منح الشرعية لمن يمارسون السلطة، ولكنه كعملية ثقافية نفسية ينشط الإحساس لدى الهيئة الناخبة بانتمائهم الى المجتمع الأكبر بفضل ممارستهم لامتياز مشترك ويعكس إحساسا بالمسؤولية فى تغيير الأوضاع الاجتماعية والسياسية، فالثقافة السياسية المشاركة التى ترتبط بمعرفة المواطنين ووعيهم بالنظام السياسى فى حركته ومؤسساته ومدخلاته ومخرجاته وبالأفراد المشاركين، تسهم فى ارتفاع نسب المشاركة خاصة فى الاستحقاقات الانتخابية، وبالتالى فليس من المتوقع أن يشارك المواطن فى العملية الانتخابية ما لم يستقر فى ثقافته أهمية هذه المشاركة وقيمتها، ويدفع تدنى نسب المشاركة كل منصف إلى حتمية البحث فى الأسباب وليس التبريرات على غرار كورونا والأجواء الحارة والوجود خارج الموطن الانتخابى مع الإقراربصحتها الجزئية.
- من زاوية المواطنة لا تشجع كثيرا هذه النسبة على فهم راسخ ودقيق لمعنى المواطنة "حقوق وواجبات" لدى الناخب المصرى، فالتنازل عن الحق – لأسباب متنوعة – خاصة فى المجال السياسى أو الشعور بالاغتراب أو عدم القدرة على التأثير يفقد الناخب كثيرا من الروابط بالمؤسسات السياسية، كذلك غياب الإحساس بالواجب والمسئولية يفقد الدولة أحد مواردها المهمة وهو المواطن الذى تقوم على أكتافه ولصالحه عملية التنمية فى شتى مجالاتها.
- من زاوية التحول الديمقراطى تبدو هذه النسبة قاصرة عن تعزيز فكرة التنافس السياسى والقدرة على الاختيار وتعزيز التطور الديمقراطى وهو ما قد يعكس صورة سلبية عن طبيعة الحياة السياسية رغم كثرة الكيانات وتعددها الى حد التشرذم وفشل العديد منها فى تقديم مرشحين أو منافسين جدد يضيفون الحيوية الى المشهد السياسى ويكرسون مفهوم دولة التنمية القائم على الشفافية والمساءلة واحترام حقوق الإنسان.
- من زاوية العلاقة بين الدولة والمجتمع كأحد الأبعاد المهمة فى تفسير طبيعة النظم السياسية ، تبدو هذه النسبة كاشفة عن قصور ما فى دور التنظيمات المدنية لإحياء انخراط الافراد فى المجال العام، فليس مطلوبا من التنظيمات المدنية أن تؤدى دور الأحزاب، ولكنه يصبح مطلوبا أن تمارس تلك التنظيمات "الجمعيات – النقابات – الروابط وغيرها" دورا مجتمعيا يفرز المواطن الصالح القادر على والراغب فى المشاركة بكافة صورها، فأداء هذا الدور يكمل – عبر توازن دقيق – دور الدولة فى تيسير البيئة المناسبة لعمل تلك التنظيمات عبر إطار تشريعى كفء.
- من زاوية التقسيم الجغرافى لم يتم الإعلان – حتى لحظة كتابة هذه السطور - عن توزيع نسبة المشاركة – ليس على المحافظات – ولكن على مستوى ناخبى الداخل والخارج، فإغفال هذا التقسيم على أهميته يثير العديد من التساؤلات وربما يترك أثره السلبى على تصويت المصريين فى الخارج فى الجولة الثانية للإعادة، فقد كان الأولى الإعلان عن نسبة التصويت فى الخارج مهما كانت توخيا للشفافية من ناحية واحتراما لأصوات الناخبين الذين حرصوا على المشاركة من ناحية أخرى، وحرصا على بناء قواعد بيانات شفافة للمصريين فى الخارج عبر أنشطتهم وفعالياتهم المتعددة من ناحية ثالثة.
- إن هذه القراءة الأولية لنسبة المشاركة تحتمل الخطأ كما أنها تحتمل الصواب لكنها فى اعتقادى قد تصلح منطلقا إيجابيا لنقاش عام أوسع نطاقا يضم أطيافا وقوى مجتمعية وسياسية يتولى كل منها محورا من المحاور المذكورة بالتفصيل عسى أن ننجح فى تغيير الصورة فى اقرب استحقاق انتخابى قادم وهو انتخاب مجلس النواب "الغرفة الأدنى" فما لا يدرك كله لا يترك كله.