أحمد محمود
هذا الخبر أعاد إلى ذاكرتى الفترة التى قضيتها فى السودان وبالتحديد فى منطقة غرب دارفور، أثناء عملى مندوبًا إعلاميًا لدى اللجنة الدولية للصليب الأحمر، هذه الفترة التى بدأت فى يناير عام 2006 واستمرت لمدة 6 أشهر، سنحت لى الفرصة خلالها لزيارة مناطق متفرقة من دارفور، حيث شاهدت مدى اتساع هذه المناطق وخصوبة تربتها، وتوافر المياه بها، وإمكانية زراعة مساحات شاسعة بمحاصيل استراتيجية، قد لا تكفى مصر والسودان فقط، وإنما قد تكفى بلدان كثيرة من العالم.
كان النزاع المسلح الذى نشب عام 2003 فى دارفور، ولازال مستمرا حتى الآن، سببًا فى انتشار منظمات الإغاثة، وعلى رأسها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، والأمم المتحدة وبرنامج الغذاء العالمى، الذى اضطر لتسليم عملية توزيع مواد الإغاثة المخصصة لسكان دارفور، المتضررين من النزاعات المسلحة، لتقوم بها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بسبب تردى الأوضاع الأمنية هناك وتعرض قوافل الأمم المتحدة للإغارة من مسلحين مجهولين.
والحقيقة أنه رغم صعوبة تلك المهمة، وخطورة الوضع فى دارفور بسبب النزاع المسلح، إلا أننى استمتعت كثيرًا بتلك الفترة، وسنحت لى الفرصة لزيارة العديد من الأماكن الخلابة، منها جبل "مرة" الشهير الذى يتميز بجوه المعتدل، الذى يشبه جو منطقة البحر المتوسط، ويحتوى على منطقة شلالات رائعة الجمال، بالإضافة إلى حياة برية ساحرة تصلح لإقامة منتجعات سياحية شديدة التميز.
والحقيقة أيضًا أن هذه المنطقة التى تبلغ مساحتها مثل مساحة فرنسا، وتحتوى على ثروات لا حصر لها، سواء كانت ثروات معدنية أو حيوانية أو زراعية، يعيش سكانها حياة شديدة البساطة، مع أنه لو تم استغلال هذه الثروات لأصبحت من أكثر مناطق إفريقيًا ثراءً، وهو أمر يمكن تحقيقه إذا نجحت الحكومة السودانية الحالية فى إقرار السلام هناك والعمل على تنمية دارفور.
لازلت أذكر الزميل السودانى الذى أشار إلى مبنى قديم مهجور أثناء إحدى الرحلات التى قمت بها لزيارة بعض رؤساء القبائل المحليين، لتوعيتهم بمهمة الصليب الأحمر فى دارفور لدعم وحماية ضحايا النزاعات المسلحة، وقتها قال لى الزميل أن هذا المبنى هو مبنى شركة الدخان المصرية، حيث كانت الشركة المصرية تقوم بزراعة مساحات شاسعة من التبغ فى أراضى دارفور لتنتج منها أجود أنواع التبغ، وهو أمر يمكن العمل عليه من جديد ضمن اتفاقات التعاون بين الحكومتين المصرية والسودانية، وهو ما من شأنه أن يسهم فى تنمية المنطقة وتوفير فرص عمل بها.
أتمنى أن تقوم الحكومة المصرية بدور الوساطة لإنهاء أزمة دارفور، التى لازالت تعانى تداعيات النزاع المسلح، والذى أثبتت الفترة الماضية فشل المنظمات الدولية فى وقفه، هذا النزاع الذى طال أمده ولازال دائرًا، يسبب المعاناة للجميع فى هذا البلد الشقيق، وهو أمر لم يعد مقبولًا أن يستمر، بل يجب أن تتوقف هذه النزاعات التى لا طائل منها، وأن يتفرغ الجميع للبناء والتعمير.