البث المباشر الراديو 9090
مريم عيد
يمثل انفجار بيروت الأخير فى 4 أغسطس 2020 ثالث أكبر انفجار فى تاريخ البشرية، كان الأول انفجار هاليفاكس فى نوفا سكوتشيا بكندا فى صباح 6 يناير عام 1917 حين انفجرت السفينة الفرنسية حاملة السلاح "مونت بلانك"، ثم انفجار هيروشيما ونجازاكى عام 1945 فى اليابان حيث كان إسقاط أول قنبلة نووية على العالم فى هيروشيما صباح 6 أغسطس عام 1945، ، وبعد ثلاثة أيام من ذلك اليوم تم إسقاط قنبلة نووية ثانية على مدينة نجازاكى.

استفاقت المدينة الجميلة على دوى انفجار ضخم، وإعلان محافظ بيروت أنها مدينة منكوبة، وكأن الانفجار قد طال ذكريات طفولتى وأول معرفة لى بلبنان على صفحات "قاموس إلياس" الذى يجمع بين المصرية واللبنانية وكان يتواجد فى بيوت العائلات العربية من أصول متعلمة توارثتها عن الآباء والأجداد، وأغنية زهرة نيسان فى بدايات ليالى الأفراح، وصالون مصفف الشعر حيث تصدح نغمات الأغانى اللبنانية لأشهر المطربين.

لبنان عروس البلدان العربية، والبقعة الأكثر تلألؤا ولمعانا فى الشارع العربى، والذى تمتلك مصر وسوريا والعراق أقدم أركانه الحضارية، تهشمت مصابيحها البيروتية وتحطمت أنوارها فى وضح النهار، أهداها أعدائها عوض القاموس قنبلة، وعوض الأغنيات الجميلة أنينا مكلوما وأجواءا مسمومة.

دائماً ما كان يزداد فخرى كعربية عندما أعرف أن نجمات هوليوود فى حفلات الأوسكار ترتدين أزياء لمصممى أزياء لبنانيين، ويزداد إعجابى بأدباء المهجر الذين جددوا فى معانى اللغة العربية عن بعد فى الأمريكتين وظلوا مرتبطين بجذورهم اللغوية التى نمت وترعرعت وأنبتت ثماراً جديدة، ويزداد انبهارى بالرحبانية كأول من درس الموسيقى العربية وجددها على أصول علمية.

لكن الغريب فى الأمر أن كل تلك المعرفة وكل هذا الألق وكل تلك الليبرالية الثقافية والفنية والأدبية والسياسية لم تمتد إلى واقع عالم السياسة، ولم ينجم عنها وضع سياسى مثالى يمكن تصديره إلى بقية البلدان العربية، لقد نشأنا منذ الصغر على أن لبنان تمتلك حرية تكوين أحزاب قبل أن تمتد إلى بقية الدول العربية لدرجة التندر بهذا وبأن كل شارع فى لبنان به حزب، وكل قهوة تمتلك حزباً، فهل تحولت تلك النكتة السياسية إلى السبب الجوهرى لنكبتك يا جميلة الجميلات؟

فإذا كانت الديمقراطية هى حكم الشعب بالشعب لصالح الشعب، فإن تعريفها حسب الواقع اللبنانى هو حكم الشعب بالشعب فقط ولكن ليس لصالح الشعب، ولى بعض الملحوظات على السياسة اللبنانية:

أولاً: النظام السياسى اللبنانى ربما له مؤيدوه، فهو بالفعل يعبر عن كل فئات الشعب بما لا تحققه الكثير من الدول الأخرى حيث لا تجد الكثير من الطوائف بها من يعبر عن تواجدها الفعلى، لكن من الناحية الأخرى يكرس هذا النظام للطائفية ويصنع نوعاً من التشظى والتشرذم.

فالكثير من الفئات والأطياف من الأفضل تجميعها ودمجها فى كيانات أكبر، تراكمات الوضع القائم على الطائفية تحتقن شيئاً فشيئاً تحت السطح السياسى والمجتمعى حتى تؤدى إلى انفجارات مهولة بين الحين والآخر.

كما أن اغتيال رفيق الحريرى وبيار أمين الجميل ووليد عيدو دونما الوصول إلى الجانى ينم عن قصور أمنى شديد وكأن من يريد تنفيذ جريمة قتل على أن يفلت من العقاب فعليه أن يذهب إلى لبنان، كما يدل على أن الجانى وأداة الجريمة قريبان جدا.

ثانياً: بالنسبة للواقع السياسى اللبنانى فالكثيرون ينصبون من أنفسهم أوصياء على لبنان، كل الجيران والأصدقاء والأعداء والقاصى والدانى، لبنان مستنيرة تملك المصباح، ومن يملك المصباح لا يحتاج إلى أوصياء ينيرون له الطريق حتى لو كانوا يملكون مصابيح أخرى فليحتفظوا بأنوارهم لأنفسهم فلربما استطاعوا حل مشكلاتهم، فلبنان دولة حرة ذات سيادة على أراضيها.

ثالثاً: كيف للبنان الأكثر ليبرالية أن يظل التقسيم النيابى بها على أساس طائفى أو دينى، والدين أمر شخصى بين الإنسان وربه، فى مصر من غير المستحب أن يعرف أحد نفسه على أساس أنه مسلم فقط أو مسيحى فقط وخصوصاً لو كان نائباً للشعب، إلا لو كان فى موضع تعريف بدينه، الأديان موجودة لوحدة البشر وترابطهم والعلو بقيمهم وليست لإيجاد أسباب لحدوث فتن طائفية.

رابعاً: أقترح أن يتم تقسيم الحياة السياسية اللبنانية النيابية والانتخابية إلى كتلتين فقط معبرتين عن الواقع السياسى اللبنانى، على سبيل المثال كتلة "ديمقراطية" وأخرى "وطنية"، وأن تتناوب الكتلتان تولى رئاسة الجمهورية، ورئاسة الوزراء، ورئاسة البرلمان، وأن تراعى الدولة فى آلياتها العدالة والتساوى فى تمثيل جميع فئات الشعب دونما تحديد نسب، فالخيارات لأفضل العناصر من جميع فئات الشعب وليس مجرد سد خانات عددية.

لكن لا يصح لوطن مثل لبنان أن تتردد به عبارات مثل مسلم ومسيحى حتى اليوم، على سبيل المثال ما معنى أن تستأثر الدروز برئاسة مجلس النواب أو السنة برئاسة الوزراء، وكأنه إرث سياسى!! ولربما أصبح هناك فى المستقبل رئيس جمهورية مسيحى أرثوذكسى وليس شرطاً أن يكون مارونياً، مثل آل كنيدى الكاثوليك فى أمريكا ذات الأغلبية البروتستانتية.

بمرور الأيام ومع تنافس الكتلتين الرئيسيتين المفترضتين على الإنجاز الوطنى وتقدم لبنان ستختفى وستتلاشى الطائفية رويداً رويداً، فلا معنى أن نقسم أنفسنا إلى جماعات وأعداد ونسب طائفية ويكون ذلك هو شغلنا الشاغل، ونترك صالح الوطن وتقدمه واقتصاده وبنيته التحتية فى تردى، ودين عام هو الأكبر عالمياً، ومعدلات بطالة مرتفعة، وزيادة الواردات وانحسار الصادرات.

خامسا: صفقنا كثيراً لحزب الله عندما كان عنصر مقاومة وطنية، أنا شخصياً كنت من المؤيدين لحزب الله سابقاً، لكن عندما يرفع طرف ما سلاحه فى وجه شريكه فى الوطن فتلك خيانة عظمى. كان ينبغى أن ينزع سلاحه منه منذ زمن، ومنذ جريمته الأولى، فكيف يمكن لفصيل وطنى أن يمتلك سلاحاً وهناك جيش للدولة.

إقحام الدين فى السياسة دائماً باطل ويؤدى إلى فرقة حتى بين أصحاب الدين الواحد، فالله ليس له أحزاب، فحزبه هو حزب الكرامة الإنسانية لكل البشر، كرامة بنى آدم.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز