البث المباشر الراديو 9090
الدكتور حسن سلامة
تعد نسبة تمثيل المرأة فى المجالس النيابية المنتخبة أحد المعايير المهمة لتقييم مدى قدرة النظام السياسى على استيعاب  تمثيل الفئات الاجتماعية المختلفة اقتصاديًا ونوعيًا بما يتناسب وكثافتها  العددية من ناحية و وقوتها الانتخابية من ناحية أخرى.. فضلاً عن كونه مؤشرًا على حيوية النظام السياسى ومدى قابليته لتطبيق قيم  الديمقراطية وإجراءاتها.

وشهدت البرلمانات المصرية المتعاقبة منذ منتصف الخمسينيات من القرن العشرين تمثيلاً للمرأة المصرية عقب منحها حق الترشيح والانتخاب فى دستور 1956 وصولاً إلى التعديلات الدستورية الأخيرة التى أجريت عام 2019 وتلزم بألا يقل تمثيل المرأة فى مجلس النواب المزمع انتخابه فى نهاية أكتوبر 2020 عن 25% من جملة أعضاء المجلس.

وعبر هذه الرحلة الطويلة تفاوت تمثيل المرأة وفق العديد من العوامل من بينها طبيعة النظام الانتخابى، والموروثات الثقافية التى تشكك فى كفاءة المرأة للاضطلاع بدور سياسى، والأوضاع الاقتصادية / الاجتماعية التى قد تحول دون ترشح المرأة من الأصل ناهيك عن وصولها إلى مقاعد البرلمان.

ومن هنا، يثور سؤال مهم هل يمكن أن توفر الكوتا (تخصيص عدد من المقاعد للمرأة) فى زيادة تمثيل المرأة داخل مجلس النواب ليصبح تمثيلاً فاعلاً حقيقيًا أم أنها ستعكس نوعًا من التمثيل المشرف للمرأة ليس أكثر.

ترتبط الإجابة على هذا السؤال المهم فى هذه اللحظة بالعديد من الاعتبارات ومنها:

  • مدى ملاءمة النظام الانتخابى الحالى الذى يمزج بين الفردى والقائمة المغلقة المطلقة مناصفة، مع إدراج المرأة داخل القوائم، لتعزيز التمثيل النيابى للمرأة.
  • مدى قناعة الأحزاب بوصفها الكيانات السياسية التى تتتنافس على السلطة بالمرأة كمرشح ضمن اختياراتها وتقديم الدعم الكافى لها خلال العملية الانتخابية.
  • مدى قناعة المرأة ذاتها بكفاءة المراة فى الاضطلاع بالدور السياسى ممثلا داخل البرلمان خصوصًا فى ضوء ما تشير إليه العديد من الدراسات الامبريقية من تدنى نسب تأييد المرأة لشقيقتها المرأة فى الانتخابات المختلفة.
  • مدى ملاءمة البيئة الاجتماعية/الاقتصادية لترشح المرأة وفوزها بالمقعد النيابى خصوصًا فى بعض المناطق الجغرافية التى تقصر هذا الدورعلى الرجال من أبناء العائلة أو لجوء البعض الآخر إلى استخدام المال الانتخابى أو العنف مما يجعل المرأة تعزف عن المشاركة.
  • مدى جاهزية مؤسسات التنشئة الاجتماعية المختلفة بداية من الأسرة، مرورًا بالمدرسة والجامعة، وصولاً إلى جماعات الرفاق ومؤسسات القطاع الأهلى، للدفع فى اتجاه تعزيز الوعى بالمساواة بين الجنسين فى المجال السياسى ومستوى النجاح الحاصل فى هذا الاتجاه.

عودة إلى التاريخ:

إن استقراء شواهد التاريخ ليست هدفًا فى حد ذاته بقدر ما تمثل أداة مهمة لفهم الحاضر واستشراف المستقبل، خصوصًا حينما تكون الظاهرة محل الاهتمام – تمثيل المرأة فى المجالس المنتخبة – ظاهرة اجتماعية / سياسية / ثقافية بامتياز، فثمة استمرارية وتغير فى الثقافة السياسية إزاء الظواهر المختلفة وفى مقدمتها ترشح وانتخاب المرأة فى البرلمان.

تمثيل المرأة فى ظل التنظيم السياسى الوحيد :

عقب منح دستور 1956 المرأة حق الترشح والانتخاب، خاضت المرأة المصرية لأول مرة المعركة الانتخابية عام 1957، وتقدمت ثمانى سيدات للترشح إلا ان الموافقة صدرت بحق خمس مرشحات فقط ونجحت منهن اثنتان فقط فى الانتخابات وهما أمينة شكرى من الاسكندرية وراوية عطية من الجيزة.

واستمر الفصل التشريعى لدور انعقاد وحيد ثم توقف الامر للاستفتاء على قيام الجمهورية العربية المتحدة عقب الوحدة بين مصر وسوريا .

صدر الدستور المؤقت للجمهورية العربية المتحدة فى الخامس من مارس 1958 ونصت المادة 13 منه على أن يتولى السلطة التشريعية مجلس يسمى مجلس الأمة يحدد عدد اعضائه ويتم  اختيارهم بقرار من رئيس الجمهورية ويشترط أن يكون النصف على الأقل من أعضاء مجلس النواب السورى والنصف الآخر من مجلس الأمة المصرى وبالفعل صدر قرار رئيس الجمهورية العربية المتحدة بتشكيل المجلس من 600 عضو منهم 400 عضو من مصر و200 من سوريا.

ومثلت المرأة المصرية فى هذا المجلس بخمس سيدات بالإضافة إلى سيدتين من سوريا، ويلاحظ أن هذا التمثيل جاء بالتعيين من رئيس الجمهورية الذى راعى تناسب تمثيل المرأة مع العدد الاجمالى للمجلس.

وفى عام 1964 تم تشكيل مجلس الأمة وفقًا للدستور المؤقت الصادر فى 24 مارس 1964 ليضم 360 عضوًا منتخبًا عن 175 دائرة انتخابية وعشرة أعضاء معينين وتم تمثيل المرأة فى هذا المجلس بثمانى نائبات دخلن جميعًا بالانتخاب .

سبق صدور 1971 وجود مجلس الامة الذى استمر ثلاثة أدوار انعقاد خلال الفترة من يناير 1969 وحتى مايو 1971 وشهد تمثيلا ضعيفا للمرأة بلغ ثلاث سيدات جاءت اثنتان بالانتخاب فيما عير الرئيس النائبة الثالثة.

خلال الفترة من نوفمبر 1971 وحتى أكتوبر 1976 ظهر مجلس الشعب الذى شهده الفصل التشريع الأول له أعلى نسبة تمثيل للمرأة منذ صدور برلمان  1956 إذ دخلت هذا البرلمان تسع سيدات، ثمان منهن بالانتخاب وواحدة بالتعيين.

وشهدت فترة التحول من التنظيم السياسى الوحيد الى المنابر وصولا الى التعددية الحزبية فى تجربتها الثانية، شهدت الفصل التشريعى الثانى لمجلس الشعب خلال الفترة من نوفمبر 1976 وحتى أبريل 1979 ومثلت فيه المرأة بست عضوات منهن أربعة بالانتخاب واثنتان بالتعيين.

تمثيل المرأة بين نظام التخصيص والقوائم بعد عودة التعددية الحزبية 1979- 1984:

شهد هذا الفصل التشريعى الثالث وفاة الرئيس السادات وتولى الرئيس مبارك السلطة كما شهد عودة للتعددية الحزبية بعد تجربتى التنظيم السياسى الوحيد والمنابر واصبح تمثيل المرأة مرتبطا بالتوجهات السياسية وطبيعة النظام الانتخابى ونظام التخصيص.

فقد شهد عام 1979 تعديل قوانين الانتخاب وتخصيص ثلاثين مقعدًا من مقاعد مجلس الشعب للنساء كحد أدنى، فيما شهد عام 1983 صدور القانون رقم 114 الذى الغى نظام الانتخاب الفردى واحل محله نظام الانتخاب بالقائمة النسبية والذى بمقتضاه يتعين أن تتضمن قوائم كل حزب فى كل الدوائر عنصرًا نسائيًا.. كما أصبح قيد المرأة فى الجداول الانتخابية وجوبيًا وليس اختياريًا.

دخلت هذا الفصل التشريعى الثالث 33 عضوة بالانتخاب واثنتان بالتعيين وكانت المنتخبات ينتمين إلى الحزب الوطنى جميعهن باستثناء واحدة تنتمى إلى حزب الأحرار وأخرى مستقلة تحولت إلى الحزب الوطنى فيما بعد.

شهد الفصل التشريعى الرابع لمجلس الشعب والذى امتد من يونيو 1984 وحتى نوفمبر 1987 – إذ تم حل المجلس بعد الإقرار بعدم دستورية مبدأ التخصيص باعتباره مخلا بمبدأ المساواة – تمثيل المرأة بـ36 سيدة منهن خمس وثلاثون  بالانتخاب وواحدة بالتعيين.

أما الفصل التشريعى الخامس  الذى أمتد من أبريل 1987 إلى يونيو 1990 وكان الانتخاب فيه بالنظام الفردى والقائمة النسبية بعد الغاء نظام تخصيص المقاعد، ما انعكس على تمثيل المرأة حيث وصل العدد فقط إلى 18 عضوة من إجمالى 458 عضوًا (منهن 14 بالانتخاب واربع بالتعيين).

تمثيل المرأة  فى ظل النظام الفردى:

تمت انتخابات الفصل التشريعى السادس بنظام الانتخاب الفردى وتم تمثيل المرأة فيه بعشر عضوات سبع منهن بالانتخاب وثلاث بالتعيين من إجمالى عدد أعضاء المجلس البالغ 444 عضوًا منتخبًا وعشرة معينين.

أما الفصل التشريعى السابع الممتد من 1995 – 2000 فقد شاركت فيه تسع عضوات أربع منهن معينات وخمس عضوات منتخبات.

وجاء الفصل التشريعى الثامن الممتد من 2000 حتى 2005 لتشارك فيه 11 نائبة منهن سبع بالانتخاب وأربع بالتعيين.

وفى انتخابات 2005 لم تحصل المرأة إلا على 4 مقاعد بالانتخاب فيما تم تعيين خمس سيدات وأصبح العدد 9 عضوات وانخفض إلى ثمانية بعد استقالة إحدى العضوات من إجمالى 444 هم أعضاء المجلس المنتخبين، بالإضافة إلى 10 معينين.

يلاحظ من استقراء أرقام تمثيل المرأة حتى هذا التاريخ أن كلا من النظام الانتخابى وطبيعة النظام السياسى قد لعبا دورا مهما فى التأثير على تمثيل المرأة فى المجلس النيابى فقد ترتفع الأرقام مع تخصيص2 مقاعد للمرأة فيما تعدو إلى التراجع بشدة مع الأخذ بالنظام الفردى ولا يعالج الأمر سوى التعيين من قبل رئيس الجمهورية وهو مايثير اشكالية مهمة تتعلق بكيفية دعم تمثيل المراة داخل البرلمان فتم اللجوء اللى تبنى الكوتا النسائية .

تبنى الكوتا النسائية فى البرلمان:

أقر مجلس الوزراء فى يونيو 2009 تعديلا على قانون مجلس الشعب رقم 38 لسنة 1972 بحيث تتم إضافة 32 دائرة انتخابية جديدة يتم فيها انتخاب 64 مقعدًا إضافيًا يقتصر الترشيح فيها على المرأة، لمدة فصلين تشريعيين فقط على أن ينتخب عن كل دائرة عضوان يكون أحدهما على الأقل من العمال والفلاحين.

وهكذا فإن هذا النظام الذى أجريت بناء عليه انتخابات برلمان 2010 أتاح الفرصة كاملة لـ 64 سيدة للدخول إلى البرلمان عبر تنافس نسائى خالص لا يشاركهن فيه الرجال نظرًا لما كشفت عنه التجارب السابقة من عدم قدرة النساء على الفوز أو مجاراة منافسيهم من الرجال.

وعلى الرغم من أن هذه التجربة لم تختبر على أرض الواقع نظرًا لقيام ثورة يناير 2011، فضلاً عما شاب إجراءات انتخاب هذا البرلمان من سيطرة كاملة من الحزب الوطنى السابق ومثل شرارة الأحداث، إلا أن الضوابط التى أحاطت بها كانت تفتح ساحة للتنافس النسائى وبصورة مؤقتة تستطيع المرأة من خلالها إثبات الكفاءة ويمكن خلالها إحداث التغيير المطلوب فى الوعى الاجتماعى إزاء الدور السياسى للمرأة ومدى كفاءتها.

جاءت مشاركة المرأة فى الانتخابات البرلمانية2011/2012 فى ظل عدة عوامل منها: تنامى أصوات التيارات الأصولية التى تحجم دور المرأة فى أنماط معينة، وتحد من حقها فى المشاركة فى جميع نواحى الحياة، لاسيما المشاركة فى الحياة السياسية، إذ يرى البعض أن دخول المرأة البرلمان "مفسدة"، وكان ترشيح الأحزاب السلفية للمرأة على قوائمها هو ترشيح "المضطر"، إلغاء كوتا المرأة، والنص على أن تتضمن كل قائمة امرأة واحدة على الأقل دون تحديد ترتيبها أو مكانها، وبلغ عدد السيدات فى برلمان 2012 ، احدى عشر سيدة فقط.

المرأة فى انتخابات برلمان 2015

جمع النظام الانتخابى بين النظام الفردى ونظام القائمة المغلقة المطلقة على اعتبار أن هذا المزج يتيح الفرصة لتطبيق النصوص الدستورية التى وردت فى دستور 2014 تؤكد ضرورة تمثيل بعض الفئات ومنها المرأة والشباب والمسيحيين والأشخاص ذوى الإعاقة والمصريين فى الخارج وعلى أساس أن نظام القائمة المغلقة المطلقة هو الأكثر إحكامًا للتعبير عن تلك الفئات وضمان تمثيلها وهو ما أسفر فى النهاية عن وصول 89 سيدة إلى داخل البرلمان منهن 75 منتخبات و14 عينهن رئيس الجمهورية.. فيما نصت التعديلات الدستورية الأخيرة عام 2019 على ألا تقل نسبة المرأة فى برلمان 2020 عن 25% ويتم الانتخاب عبر نظامى الفردى والقائمة المغلقة المطلقة مناصفة.

مناقشة حول المستقبل :

يظهر من الاستعراض السابق أن هناك العديد من العوامل التى قد تسهم فى التأثير على نسب تمثيل المرأة داخل البرلمان ومن أهمها طبيعة النظام الانتخابى فتخصيص مقاعد أسهم فى زيادة تمثيل المرأة والقائمة المغلقة المطلقة أسهمت فى زيادة تمثيل المرأة لكن السؤال المهم هل أثرا على وعى كل من الأحزاب والناخبين لاختيار المرأة حتى ولو ترشحت على المقاعد الفردية؟.

احسب أن الارتكان الى نظام القائمة المغلقة المطلقة لا يسهم بالحد المطلوب فى تعزيز كفاءة المرأة كمنافس قوى لديه قدرات على خوض المعركة الانتخابية.. كما أنها لا تعزز دافعية الأحزاب لترشيح المرأة إلا بالحد الادنى الذى ينص عليه القانون خصوصًا فى ضوء حالة التشرذم الحزبى وغياب تجمع حزبى مطلبى لزيادة تمثيل النساء داخل البرلمان واعتبار ما حصلت عليه النساء كافيًا وزيادة.

ومن هذا المنطلق يمكن طرح عدة مقترحات:

  • إعادة النظر فى الأخذ بنظام القائمة النسبية لتحل محل القائمة المغلقة المطلقة، بحيث ينص على ترتيب للمرأة داخل القوائم (رجل – مرأة) ما يدفعها الى التنافس الحقيقى ويعزز مكانتها الانتخابية.
  • إعادة التفكير فى تقييم تجربة تخصيص دوائر للمرأة مع الأخذ فى الاعتبار تقسيم الدوائر بصورة عادلة تضمن تكافؤ الفرص مع الدوائر التى يتنافس فيها الرجال والسيدات معًا بصورة مؤقتة لفصلين تشريعيين.
  • المبادرة من القيادات النسائية المصرية بتشكيل حزب تتزعمه إحداهن ليمثل نموذجًا لقيادة نسائية تتولى حزبًا سياسيًا ويضم بالطبع رجالا كما يضم نساء.
  • تعزيز دور لجان المرأة داخل الأحزاب لصالح ترشيح المرأة وانتخابها عبر ممارسة الضغوط المختلفة وتنظيم ندوات لرفع الوعى المجتمعى.
  • اقتراح مشروع قانون بشطب الأحزاب التى لم تنجح فى الفوز بمقعد واحد عبر فصلين تشريعيين.
  • تبنى الأكاديمية الوطنية للتدريب مشروعًا قوميًا دائمًا لتأهيل السيدات والرجال على قيم المشاركة السياسية وفكرة المساواة بين الجنسين خصوصًا فى المجال السياسى.
  • تبنى المؤسسات الأهلية – لا سيما الحقوقية – خطة متعددة المراحل لنشر الوعى بأهمية تمثيل المرأة فى المجالس المنتخبة كتجسيد لقيم الديمقراطية والشراكة.
  • وضع منظومة لتوزيع الأدوار عبر مؤسسات التنشئة المختلفة تستهدف الطلائع حتى سن 18 عامًا لغرس قيم المساواة والشراكة فى مختلف المجالات بين الذكور والإناث.
تابعوا مبتدا على جوجل نيوز