البث المباشر الراديو 9090
الدكتور حسن سلامة
يبقى تحدى التطرف والإرهاب والبحث عن سبل مبتكرة لمواجهتهما من أكبر التحديات التى تواجه العالم اجمع فى الوقت الراهن بالنظر الى التطور النوعى فى الاحداث الارهابية، فالإرهاب يتطور أسرع ما تتطور أدوات مواجهته، فهو ينمو وينتشر ويرواغ بسرعة بالغة فيما يبقى التعامل معه فى أغلب الأحيان بمثابة ردود فعل، والمفارقة التى تدعو إلى الدهشة أن التنظيمات الإرهابية المتطرفة التى توصف بالرجعية ومعاداة الحداثة والتجديد والإبداع  هى الأقدر على الإبداع وإبتكار أدوات للانتشار واستقطاب العناصر المؤيدة وحشد الأنصار ودفعهم دفعا إلى ارتكاب أجندات العنف.

 بينما الدول النظامية  التى هى أحد مكتسبات العصر الحديث تسيطر عليها الأفكار الروتينية والتقليدية فى المواجهة، فتبدو الدولة اقل قدرة على المقاومة فى مقابل مناعة تنظيمات الارهاب التى تزداد فى اعقاب كل حدث إرهابى. ويوافق الحادى عشر من سبتمبر من كل عام ذكرى وقوع أحداث عنف وإرهاب استهدفت المنشآت الأمريكية وغيرت كثيرا من خريطة تعامل العالم مع فواعله المختلفة ووصمت ظلما الشعوب العربية والاسلامية بآفة العنف والإرهاب.

وربما يكون أحد أسباب تلك المفارقة أو الفجوة فى ملاحقة التنظيمات الإرهابية من جانب الدولة أو حتى اتخاذ خطوات استباقية تمنع السقوط فى براثن تلك التنظيمات من البداية أو تمنع وقوع أعمال عنف وإرهاب، ربما يكمن فى غلبة الطابع الأمنى على المواجهة والذى لا يكفى وحده للقضاء على التطرف والإرهاب .فهذا التحدى الذى يواجهه العالم له أبعاده الفكرية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية وليس مجرد تهديد للأمن، فثمة بيئة مواتية للتطرف والإرهاب ومحاصرتها عبر استراتيجية متكاملة تعنى بداية الحل الصحيح.

التطرف بين العنف و الارهاب : ملامح أساسية:

لا إرهاب دون تطرف ولا تطرف دون إرهاب، تلك حقيقة أولى يتعين التعامل معها وبناء استراتيجيات المواجهة على اساسها فكلاهما يغذى الآخر ويدعمه. أما الحقيقة الثانية فترتبط بذلك التلازم بين التطرف والعنف باعتبار أن الإرهاب إحدى صوره الشائعة ومن ثم فإن الاستراتيجية الاشمل هى تلك التى تعالج جذور العنف والبيئة الحاضنة له وليس فقط مجرد العرض المتمثل فى الأحداث الإرهابية.

وترتبط الحقيقة الثالثة بتعدد العوامل المسببة للتطرف باعتباره حاضنة العنف والإرهاب ما بين عوامل بنيوية ترتكز بالاساس على تزييف العقل وغسيل الأدمغة بمفاهيم مغلوطة عن الدين والحياة وتعكس فى الأخير رؤية للعالم World View مفادها أن هذا العالم رسمته وحددت ملامحه الإرادة الإلهية ويتسم بالاستمرار والابدية وان السلوك البشرى هو تطبيق لتلك الارادة على الأرض. أما المجموعة الثانية من العوامل فترتبط بالبيئة المغذية للتطرف والمشجعة على ظهور تنظيمات العنف والإرهاب عبر عملية تدريجية تبدأ من مجرد التعاطف السلبى مع أفكار التطرف والعنف إلى التعاطف الإيجابى اللفظى والدعم المالى والمشاركة فى الاحتجاجات  وصولا إلى الانخراط فى أعمال العنف.

أما المجموعة الثالثة والأخيرة من العوامل فيمكن توصيفها بالعوامل الدافعية أو المحفزة على تبرير ارتكاب أعمال العنف والإرهاب كالحرص على تحقيق مكانة ما أو الانتقام أو أو وجود عناصر تميل إلى الصدام بطبيعتها.

إن الفهم الصحيح لتلك الحقائق متطلب سابق لبناء اسرتيجية مواجهة تتأسس على المنهج الوقائى وترسم ملامح فهم واع لما ينبغى مكافحته، فاجتثاث جذور التطرف له أهميته القصوى شأنه شأن ملاحقة مرتكبى أعمال العنف والإرهاب.

خصائص المتطرف فكريا :

إن استيعاب خصائص المتطرف فكريا تمثل ضرورة حتمية باعتباره مرشحا أكثر من غيره للانخراط فى أعمال العنف والإرهاب وتتمثل تلك الخصائص فيما يلى :

  • النظرة الأحادية للظواهر بما يعنى أن هناك سببا واحدا مسئولا عنها وهو ما يعيق فهمه الموضوعى لتلك الظواهر
  • إصدار أحكام مفرطة فى التعميم على الأشياء والأشخاص والأفكار
  • الحكم فى إطار مبدأ الاطلاق
  • الاعتقاد بامتلاك الحقيقة المطلقة وأن من ليس معه فهو ضده
  • عدم القدرة على تقبل وجهات النظر الأخرى.
  • الانغلاق المعرفى وعدم الانفتاح على الخبرات المتاحة.

وهكذا نصبح إزاء شخصية يسهل تجنيدها لارتكاب أعمال العنف والإرهاب بأقل جهد ممكن حيث يصعب على مثل تلك الشخصيات قبول الآخر المختلف معه، خاصة إذا صاحب ذلك درجة من درجات الشعور بالظلم الاجتماعى أو مزاعم التمييز ضده لداع أو آخر.

ومن هنا يصبح المكون الفكرى هو أحد أبرز مكونات الاستراتيجية المطلوبة لمواجهة التطرف والإرهاب انطلاقا من قاعدة مفادها أن الفكر يسبق السلوك ويوجهه وأن التطرف الفكرى محدد للتطرف السلوكى، وتتضافر كافة مؤسسات الدولة والمجتمع المدنى معا فى رسم ملامح تلك الاستراتيجية منذ اللحظة الأولى مع وضع آليات تنفيذ محددة وكيانات للمتابعة والتقييم.

وتظهر أهمية المجلس الأعلى لمكافحة الإرهاب ككيان مسئول عن وضع مثل تلك الاستراتيجيات اعتمادا على مدخلات ومعطيات واقعية تقدمها عبر شراكة حقيقية مؤسسات الدولة ومؤسسات المجتمع المدنى.

آليات مؤسسات المجتمع المدنى لمكافحة التطرف والعنف :

ليس جديدا أن نشير إلى أن المقصود بمؤسسات المجتمع المدنى هى مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة التى ينشئها المواطنون لتحقيق مصالح افرادها او لتقديم خدمات للمواطنين أو لممارسة أنشطة إنسانية متنوعة  مثل الجمعيات الأهلية والنوادى الرياضية والاجتماعية ومراكز الشباب والاتحادات الطلابية وجمعيات رجال الأعمال والنقابات المهنية والنقابات العمالية، والكيانات الدينية كالطرق الصوفية.

لكن ما قد يبدو جديدا ويحتاج إلى التأكيد عليه أن هذه المنظمات والمؤسسات جميعا قادرة - لو عبئت قواها ومارست أنشطتها فى كل أنحاء المجتمععلى القيام بدور فعال فى مواجهة التطرف وأعمال العنف والإرهاب، وتأتى أھمیة مؤسسات المجتمع المدنى كونها وسیطا نهضویا وتعبویا بین الفرد والمجتمع بين المواطن والدولة، وھى لا تقوم إلا على أساس المواطنة والدیمقراطیة والتعایش المشترك والتسامح وقبول الآخر، وھى بدورھا تعزز وترسخ هذه القیم.

كذلك تأتى أهمية مؤسسات المجتمع المدنى خاصة الجمعيات الأهلية من انتشارها الجغرافى واسع النطاق حيث يزيد عدد الجمعيات الاهلية فى مصر حاليا على 46 ألف جمعية تمثل صوت الجماهير وتصبح قادرة على تحقيق التواصل الفعال معهم .

لذلك تتعدد أدوارها ومهامها فى مواجهة التطرف والعنف والإرهاب بتعددها وتنوعها وانتشارها فى المجتمع كالآتى: 

  • المشاركة فى وضع وتخطيط استراتيجيات وبرامج وخطط  لمواجهة‌ التطرف الإرهاب  فى المجالات الفكرية والثقافية والفنية والاجتماعية للتأكید على علاقة الشراكة بین الحكومة ومنظمات المجتمع المدني، ابتداءً من التخطیط إلى التنفیذ وانتهاء بالتقییم ، مما یتطلب شكلا ً جدیدا ً من الإدارة العامة تضمن مشاركة هذه المنظمات فى عملیة تطویر السیاسات العامة للدولة، وفى صیاغة التشریعات، وفى صنع القرار ، وتنفیذ استراتیجیات التنمیة ومواجهة التطرف الارهاب.
  • انشاء مراصد للانذار المبكر حول حالات متطرفة ومرشحة للانخراط فى أعمال العنف داخل المجتمع المحلى، بحكم انتشار الجمعيات والمؤسسات الأهلية  فى كافة انحاء الوطن واحتكاكها اليومى بالمواطنين والأحداث، وقدرتها على رصد التغييرات التى تعطى مؤاشرات انذار لتنامى الأفكار المتطرفة.
  • نشر ثقافة التسامح والاستنارة من خلال أنشطتها المتنوعة ومشروعاتها التى تتواصل من خلالها مع القواعد الشعبية حيث إنها تسهم بشكل حقيقى فى تحصين المواطنين ضد التطرف وتحبط محاولات تجنيدهم لصالح المنظمات الإرهابية .
  • تشجیع برامج  وانشطة  ثقافة الحوار واحترام الرأى والرأى الآخر، ونبذ ممارسات الاقصاء والتهمیش ضد أى مجموعة عرقیة أو اجتماعیة، و نشر ثقافة إنماء الحس الوطنى والوحدة الوطنیة لدى المواطن من خلال دورات تدريبية مكثفة للفئات والعناصر المرتبطة بمؤسسات التنشئة المختلفة من الاسرة الى المدرسة والجامعة ومؤسسات الاعلام باعتبارهم روافد مهمة فى تكوين الشخصية الانسانية عبر مراحل نموها المختلفة.
  • العمل كشريك لمؤسسات الدولة على النهوض بمستوى معيشة الفئات المهمشة وسكان الأحياء العشوائية ومساعدتهم فى ايجاد المسكن الآدمى والعمل المنتظم وادماجهم فى المجتمع وتمكينهم من التعرف على القيم الإنسانية الرفيعة من خلال العروض السينمائية والمسرحية فى أماكن اقامتهم وفى مراكز الشباب والاندية ليكونوا على صلة بالثقافة الإنسانية والقيم الايجابية من خلال هذه العروض الفنية والندوات الثقافية والاجتماعية، دون أن ينفى ذلك مسئولية مؤسسات الدولة فى المقام الاول  عن توفير الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمواطنين.

ويثير هذا الدور المفترض لمؤسسات المجتمع المدنى اهمية إدراك رجال الأعمال لمسئوليتهم الاجتماعية بأن يساهموا فى تقديم العون المادى الكفيل بزيادة فعالية انشطة الجمعيات الأهلية والنوادى ومراكز الشباب واذا كنا نعانى من قيام بعض الدول بتمويل الارهاب وتقديم الدعم اللوجستى له بما أدى إلى اختراق المجتمع المصرى سواء فى سيناء او فى الوادى او غيره فإن رجال الاعمال فى مصر عليهم مسئولية كبرى فى دعم الجمعيات الاهلية بما يساعدها على القيام بهذا الدور المطلوب منها فى خلق بيئة مناهضة للتطرف والارهاب ، بيئة عصية على اختراقها من المنظمات الارهابية او تجنيد ابنائها للعمليات الارهابية، وبدلا من التنديد بالتمويل الاجنبى لمنظمات المجتمع المدنى فإن رجال الاعمال مسئولون عن توفير البديل لهذا التمويل الاجنبى بالمساهمة الفعالة فى انشطة هذه الجمعيات والمنظمات لتمكينها من القيام بمسئولياتها، وغير خاف ان تحمل رجال الاعمال لمسئوليتهم الاجتماعية فى تحصين المجتمع ضدالتطرف والارهاب هو افضل حماية لأموالهم ومصالحهم وهو ايضا يساعد على استقرار المجتمع بما يوفر افضل الفرص لنمو النشاط الاقتصادى ويساعد على التنمية البشرية التى توفر قاعدة اجتماعية مؤهلة للعمل فى القطاع الخاص كعمالة مدربة وقادرة على المساهمة فى مختلف المنشآت الصناعية والزراعية والتجارية.

  • تقليل المسافات وجسر الهوة وتخفيف الصراعات الموجودة  فى المجتمع بين كافة طوائفه من خلال توفير أجواء مناسبة وآمنة للنقاش والحوار المجتمعى لحل كافة المشكلات وحصار التوتر الطائفى او القبلى او الدينى  خاصة فى المناطق المرشحة للتوتر عبر اللجوء الى القيادات الطبيعية وتدريبها والتواصل معها .
  • دور المجتمع المدنى فى اعادة تاهيل المتطرفين ودمجهم داخل المجتمع ويتمحور هذا الدور فى إمكانية تخلى الجماعات المتطرفة عن أفكارها وإعادة ادماجهم فى المجتمع مرة أخرى باعتبارهم مواطنين عاديين بعد أن كانوا يواجهون بالاستهجان والنبذ من المجتمع كافة. ولعل هذا الدور يكتسب اهمية كبيرة حيث تنجح مؤسسات المجتمع المدنى فى فك الارتباط الفكرى بين المتطرف وجماعة العنف من ناحية اولى وصولا الى دفع المتطرف الى التخلى عن افكاره لصالح افكار الاعتدال والوسطية اخذا فى الاعتبار المعالجة الفعالة لمسببات تبنى افكار التطرف وممارسات العنف لضمان عدم الارتداد إلى التطرف مرة ثانية تحت اى سبب من الاسباب.وهنا يتعين ان توفر المؤسسات المدنية مساحة معتبرة للنقاش والتفاعل وتوفير فرص عمل وتحسين الاحوال الاقتصادية والاجتماعية للمستهدفين لتحقيق غاية اعادة دمجهم فى المجتمع من جديد

 

وفى هذا الشأن يثور السؤال الهام: هل يجب علی المجتمع المدنى والمنظمات الأهلية الدخول فى حوار مع الأشخاص أو الجماعات المرتبطة اوالممارسة للعنف والإرهاب؟!

من منطلقات مختلفة ‌ولأسباب متعددة فإن دخول المجتمع المدنى والمنظمات الأهلية فى مثل هذا الحوار أسهل بکثير من دخول مؤسسات الدولة  فيه ذلك ان وجود اتجاه غير حكومى  هو أمر ضرورى لوضع اجراءات بناء الثقة بين الأطراف كمتطلب أول، وفى هذه الحوارات يجب أن يتم التأکيد وبوضوح تام أن الحوار لا يعطى الجماعات التى تمارس العنف أى نوع من الشرعية أوالتبریر، وهنا لا بد أن تستخدم منظمات المجتمع المدنى أسلوب الرسائل المفتوحة والبيانات والخطابات الموجهة ‌إلی الجماعات العنيفة ‌بحيث تحتوى هذه الرسائل إدانة للأساليب الإرهابية‌ وتأکیدا علی الإتجاهات والمسائل الأخلاقية‌ وتطبيقات مبادىء وقواعد حقوق الإنسان .

ومن الجوانب الأخری لنشاطات المجتمع المدنى والمنظمات الأهلية هو الدور الذى يمکن أن تلعبه هذه المنظمات فى التعامل مع وسائل الإعلام وتوجيه الرأى العام إزاء ظاهرة‌ الإرهاب ، فالعلاقة البناءة مع وسائل الإعلام تعد مسألة ذات اهمية قصوى  بالنسبة للمجتمع المدنى والمنظمات الأهلية، لأنها تحتاج إلی وسائل الإعلام من أجل توفير معلومات تتطابق مع الواقع و تصحيح التصورات الذهنية السلبية وغير المنصفة التى تمتلکها بعض قطاعات من المجتمع.

ومن أجل الترویج للحوار وللمناظرات العامة حول قضايا مثل الأمن العام وحقوق الإنسان داخل المجتمع ، لأن طرح مثل هذه الموضوعات من خلال قنوات تخصصية ومحترفة‌ فى المجتمع سيدفع بالجماعات الصغيرة‌ نحو الإلتفات إلی مسألة مواجهة الإرهاب ويذکرهم بمسؤولياتهم فى الحيلولة دون إثارة العصبيات والتصورات التقليدية أو المعلومات الخاطئة والناقصة‌، وبالنسبة‌ للمجتمع المدنى والمنظمات الأهلية‌ نفسها، من المهم جدا أن تجرى دراسات کاملة‌ ودقيقة‌ حول الإرهاب، والعنف السياسى والظروف التى تنتهى إلی اتساع نطاق الإرهاب، ويمکن لهذه الدراسات أن تشکل مجموعة ‌قيمة من الأبحاث واستطلاعات الرأى حول تأثير إجراءات مکافحة الإرهاب وتداعياتها.

كما یمکن للمجتمع المدنى والمنظمات الأهلیة لعب دور قانونى مهم للغایة فیما یتعلق بالمجالات القانونیة المرتبطة بالإرهاب ومواجهته ، ومنها «تقویة الأطر القانونیة الدولیة والقطریة للأنشطة المتعلقة بمواجهة الإرهاب »خاصة عندما یتم تنفیذ هذه القوانین ویرتبط الأمر بحمایة حقوق الإنسان والترويج الصحيح لها.

محددات أداء المجتمع المدنى لمسئولياته فى مواجهة التطرف والارهاب :

إعطاء أهمية لمنظمات المجتمع المدنى خاصة الجمعيات الأهلية وتعزيز دورها بالشراكة فى مواجهة التطرف والارهاب ، يتطلب ان تكفل  لها  مرجعيتها القانونية حرية العمل والاستقلالية بعيدا عن الإجراءات البيروقراطية او المقيدة لعملها وهذا لا يعفيها من ان تكون منظمات خاضعة  للمحاسبة والشفافية، فالمشروعية والحریة والاستقلالیة ھى عناصر اساسیة وھامة لمنظمات المجتمع المدنى، باعتبارھا حقوقا ً طبیعیة، والمساءلة والمحاسبة والشفافیة باعتبارھا مسؤولیة اساسیة لمنظمات المجتمع المدنى ، وھى حق طبیعى للدولة فى إطار سیادة القانون.

وكلها مقومات أساسية لحماية المجتمع والدولة من خطر التطرف والعنف والإرهاب وكذلك لابد من توفير البيئة المناسبة بتفعیل المواد الدستوریة، التى تنص أو تؤكد على المساواة للجمیع فى الحقوق والواجبات.

يرتبط بذلك أيضا حتمية امتلاك مؤسسات المجتمع المدنى لرؤية Vision ولرسالة Mission إزاء مكافحة التطرف والارهاب ، فوضوح الرؤية والرسالة  وتحديد معالمهما امر سابق على اداء المؤسسات المدنية لادوارها بكفاءة عالية وهو ما يستلزم اخضاعها باستمرار لدورات تستهدف بناء قدرات كوادرها واكسابهم المهارات اللازمة لتحديد احتياجات ومشكلات البيئة المحلية وتقييم الموارد المتاحة وتوظيفها من اجل رفع كفاءة البيئة والمؤسسات القائمة فيها علاوة على اكساب الكوادر مهارة الاتصال الفعال مع الفئات المستهدفة وكسب ثقتهم مما يعزز القدرة على استقطابهم لصالح خطاب التسامح والتعاون والتعايش المشترك فى مواجهة محاولات تجنيدهم لصالح خطاب الاقصاء والتطرف والعنف .

إن الرهان على دور فاعل للمجتمع المدنى يتوقف الى حد كبير على قدرة تلك المؤسسات على الالتحام بالقواعد الشعبية والخروج من اطار النخبوية وتبنى خطاب تنموى مبسط وباليات ومنهج مختلف حتى تصبح فاعلة فى عملية التغيير الاجتماعى مع الاخذ فى الاعتبار ضرورة ان تتسم الرؤية بالمرونة فى الاستجابة للبنية الاجتماعية وان تمتلك تصورا واضحا للخريطة الاجتماعية والسياسية وان تعمل من منطلق التضمين وليس الاقصاء وان تنتقل من مجرد الدور الالحاقى الى دور المبادرة .

وتصبح الجمعيات الاهلية وهى فى موضع القلب من مؤسسات المجتمع المدنى مدعوة الى تقديم القدوة بممارسة الديمقراطية الداخلية من خلال دورية تداول السلطة داخلها عبر اختيارات حرة تسمح للمستهدفين بان يحذو حذوها.

يرتبط بذلك حتمية ان تواكب مؤسسات المجتمع المدنى متغيرات العصر والتى تشهد تاثيرا كبيرا للتكنولوجيا على تجنيد العناصر المتطرفة ، فلم تعد عمليات التجنيد تقتضى اكثر من كبسة زر على صفحات التواصل الاجتماعى المتعددة كما أصبح الإنضمام إلى تلك الجماعات لا يستدعى فى كثير من الأحيان الانتقال إلى مخيمات التدريب.

فتضخم عدد المواقع الإلكترونية المتطرفة جعل المهمة أيسر، وتعد داعش أكثر ف والتنظيمات اعتماداً على وسائل التواصل الاجتماعى فى توثيق عملياتها المتطرفة وأيضاً لتجنيد عناصر أخرى حيث يقوم بتصوير فيديوهات للعمليات المنفذة باستخدام أحدث التقنيات. ويستخدم التنظيم لتحقيق تلك الأهداف جيشاً إلكترونياً من الشباب الذى لديهم خبرة  فى استخدام وسائل التواصل الاجتماعى ولديهم قدرة على الإقناع لاستمالة وجذب عناصر جديدة.

كما أن هناك ميلاً الى  تجنيد الأطفال والمراهقين وذلك من خلال مخاطبتهم عن طريق الألعاب الترفيهية وهو ما يقتضى استخدام نفس اللغة بل واجادتها لتكون المواجهة فعالة وحقيقية عبر جيش الكترونى مضاد للارهاب يستطيع اتباع منهج وقائى بمنع تجنيد المزيد من المتطرفين .

إن التركيز على دور المجتمع المدنى والياته لا يعفى مؤسسات الدولة من دور ومسئولية كبيرة عبر مؤسساتها المختلفة فى سياق المكافحة عبر معالجة الاسباب البنيوية للتطرف ونشر الفهم الصحيح للدين والاضطلاع بأعباء الخدمات العامة التى توفر حياة كريمة للمواطنين وتسد المنافذ أمام محاولات استقطابهم لصالح جماعات العنف والإرهاب.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز