الدكتور حسن سلامة
وتحوز انتخابات مجلس النواب أهمية خاصة لاسيما مع ما يتمتع به هذا المجلس من صلاحيات تمس مباشرة حياة المواطن سواء على مستوى التمثيل النيابى أو وضع التشريعات أو الرقابة على تنفيذها من قبل السلطة التنفيذية، فالنائب البرلمانى هو نائب عن الأمة وليس مجرد نائب خدمات لأبناء الدائرة كما يشاع فى الممارسة العملية وبحكم الضرورة أحيانا بالنظر لغياب المجالس المحلية المنتخبة حتى الآن.
ومن هنا فإن ما يمارسه من دور يحدد مسار التطور داخل المجتمع عبر التشريعات المختلفة ومراقبة الالتزام بتنفيذها من المخاطبين بأحكامها.
ويمثل اختيار نواب الشعب داخل هذا المجلس مسؤولية مهمة تقع على عاتق الناخبين، فحسن الاختيار يؤدى منطقا وعملا إلى جودة التشريعات والعكس صحيح.
ويكتسب برلمان 2020 أهمية خاصة فى ضوء العديد من الاعتبارات:
• طبيعة المرحلة التى تمر بها الدولة والمجتمع فى مصر والتى تتلمس مسار التطور والتنمية فى مختلف المجالات وتستلزم العديد من التشريعات المنظمة من ناحية والمحفزة من ناحية اخرى والتى تتسم بالمرونة من ناحية ثالثة.
• تنوع وتعقد القضايا التى يشهدها المجتمع والدولة فى مصر وهو ما يتطلب إطارا تشريعيا محكما ومستمرا يعكس رؤية المشرع واتساقها مع طبيعة القضايا ومستجداتها ويوفر بيئة العمل المناسبة لسلطة التنفيذ.
• التغيير المؤسسى فى بنية البرلمان باستحداث مجلس الشيوخ وما تتطلبه طبيعة العمل من تحقيق التكامل بين المجلسين لصالح المواطن صاحب السيادة.
• الحاجة الماسة لإعادة تشكيل العلاقة بين الناخب والنائب وفهم كل منهما لطبيعة الدور المطلوب منه مع استمرارية هذه العلاقة بعد تشكيل المجلس تطبيقا لمفهوم الديمقراطية التفاعلية.
• الحاجة الماسة إلى مجلس نيابى يتفهم أعضاؤه كيفية ممارسة أدوارهم الرقابية على أداء الحكومة عبر أدوات محددة وواضحة ومناسبة استخدام كل أداة لصالح المواطن.
• توجيه رسالة إيجابية إلى العالم بتطور دولة المؤسسات فى مصر عبر انتخابات حرة ونزيهة يمارس فيها أطراف العملية الانتخابية مهامهم بأعلى جودة وكفاءة ممكنة.
ومن المعلوم أن مصر تحظى بتجربة برلمانية ثرية تعود إلى ستينيات القرن التاسع عشر مع تشكيل أول مجلس نيابى منتخب حمل اسم مجلس شورى القوانين أو مجلس شورى النواب فى عهد الخديو إسماعيل لتتوالى بعدها البرلمانات فى مسيرة حملت ملامح الاستمرارية أحيانا والانقطاع أحيانا أخرى تفاعلا مع إرادات الحكام وتواصلا مع بيئة سياسية كان أبرز مفرداتها خضوع مصر للاحتلال البريطانى منذ عام 1882 وحتى خروج آخر جندى بريطانى عام 1956 لتتواصل البرلمانات بمسميات مختلفة عبر العصور وتشهد تطورات متلاحقة بعضها إيجابى وكثير منها سلبى
البرلمان المصرى ونقطة البدء.
وكانت أول انتخابات فى عهد الخديو إسماعيل الذى تشكل فى عهده مجلس شورى النواب وتكون من 75 عضوا منتخبا من قبل الأعيان لكن مع مرور الوقت اتسعت صلاحيات المجلس، وبدأت تظهر نواة الاتجاهات المعارضة، وساعد على هذا التطور انتشار أفكار التنوير، إضافة إلى ظهور الصحف فى ذاك الوقت، مما عزز المطالب الشعبية بإنشاء مجلس نيابى له صلاحيات واسعة، إلا أن الخديو توفيق بعد توليه الحكم فى 26 يونيو 1879، أصدر أمرا بفض المجلس.
ليظهر بعد ذلك ما أطلق عليه مجددا مجلس شورى القوانين واستمر العمل به ما بين عامى 1883 و1913، ففى أول مايو عام 1883 أصدر الخديو توفيق القانون النظامى، وبمقتضاه شكل مجلس شورى القوانين، وكان يتكون من ثلاثين عضوا، يقوم الخديو بتعيين أربعة عشر منهم بصفة دائمة ويتم اختيار الرئيس وأحد الوكيلين من بينهم، أما باقى الأعضاء الستة عشر فيتم انتخابهم ويختار الوكيل الثانى من بينهم.
الجمعية التشريعية
سارع اللورد كتشنر بعد قدومه لمصر كمعتمد بريطانى فى تعديل النظام النيابى فى مصر لتهدئة الرأى العام الذى كان يطالب بجلاء المحتل الإنجليزى، فألغى مجلس شورى القوانين والجمعية العمومية، وإصدر قانونا نظاميا جديدا يقضى بإنشاء الجمعية التشريعية فى أول يوليو 1913.
وفى 21يوليو 1913 صدر القانون، وقضى بإنشاء جمعية تشريعية تحل محل مجلس شورى القوانين والجمعية العمومية، وتأليف مجلس فى كل مديرية، وتكونت الجمعية من النظار "الوزراء"، ثم الأعضاء المنتخبين والمعينين، وكان عدد المنتخبين 66 عضوا، مع مراعاة أن يكونوا من جميع المحافظات، أما الأعضاء المعينون فكان عددهم 17.
وكان من شروط عضوية الجمعية أن يكون العضو فوق الخامسة والثلاثين، ومتعلما، ويدفع الضريبة، ونص القانون النظامى للجمعية على أن تكون مدتها التشريعية 6 سنوات.
البرلمان ذو الغرفتين :
بعد صدور دستور 1923 تكون البرلمان من غرفتين هما مجلس النواب ومجلس الشيوخ تحوطا من استبداد البرلمان إذا كان مكونا من مجلس واحد وتلافيا للخطأ والتسرع إذ يقوم كل من المجلسين بمراجعة أعمال الآخر وتصحيح الأخطاء، ولكن الممارسة الواقعية كشفت بأن مجلس الشيوخ كان أقل ديمقراطية فى تكوينه وأكثر تعبيرا عن الطبقات الثرية فى المجتمع وتميز بأن للملك حق تعيين خمسى عدد أعضائه وهو ما يعنى فى التحليل الأخير أن السبب الأساسى وراء الأخذ بنظام المجلسين هو إحداث توازن بين الاتجاهات الديمقراطية والشعبية للنواب والاتجاهات الأوتوقراطية للقصر والفئات التى رأت فى الحركة الشعبية خطرا على مصالحها.
وشهدت الفترة من 1923 وحتى ثورة يوليو 1952 انقلابات دستورية شرع من خلالها الملك فى حل البرلمان بمجلسيه وتم إلغاء دستور 1923 ليحل محله دستور 1930 الذى اعتبر نكسة فى التطور الديمقراطى المصرى حيث حد من سلطة البرلمان ودعم من سلطة الملك والسلطة التنفيذية واستمر العمل بهذا الدستور حتى عام 1935 ليعود العمل مجددا بدستور 1923 حتى الغى او سقط بموجب ثورة يوليو 1952.
مجلس الأمة
بموجب دستور 1956 عقب ثورة يوليو تشكل مجلس الأمة فى 22 من يوليو 1957 من 350 عضوا منتخبا وكان أول برلمان يضم سيدتين منتخبتين هما راوية عطية وأمينة شكرى اللتين خاضتا الانتخابات بناء على نصوص دستور 1956 وهو أول دستور مصرى يمنح المرأة حق الترشيح والانتخاب، وقد فض هذا المجلس دور انعقاده العادى الأول فى 10 فبراير سنة 1958، نظرا لقيام الوحدة بين مصر وسوريا وإلغاء دستور 1956، وصدر دستور مؤقت للجمهورية العربية المتحدة فى مارس سنة 1958، شكل على أساسه مجلس أمة مشترك من المعينين "400 عضو من مصر ـ 200 عضو من سوريا" وفى مارس 1964 صدر دستور مؤقت آخر فى مصر، تم على أساسه إنشاء مجلس الأمة من 350 عضوا منتخبا، نصفهم على الأقل من العمال والفلاحين، انعكاسا لصدور قوانين يوليو 1961 الاشتراكية، إضافة إلى عشرة نواب يعينهم رئيس الجمهورية.
واستمر هذا المجلس من 26 مارس1964 إلى 16 ابريل سنة 1968، وأجريت انتخابات المجلس الجديد فى 20 من يناير 1969 والذى ظل قائما بدوره حتى 22 يوليو 1971.
ومن ناحية تقييم الدور الذى قام به مجلس الأمة يلاحظ ظاهرة عدم الاستقرار المؤسسى حيث لم يكمل أى من هذه المجالس مدته الدستورية وتم حل جميع هذه المجالس، كما شهدت هذه المجالس هيمنة السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية وذلك عن طريق التنظيم السياسى القائم ممثلا فى الاتحاد القومى ثم الاتحاد الاشتراكى العربى حيث تحكم التنظيم فى عضوية المجلس عن طريق الموافقة على أسماء المرشحين للانتخابات، كما استطاعت التحكم فى استمرارهم فى العضوية من عدمه حيث كان إسقاط عضوية الاتحاد الاشتراكى عن النائب تعنى إسقاط عضويته تلقائيا فى المجلس.
يضاف إلى هذا إلزام مجلس الأمة بعرض جدول أعماله على الاتحاد الاشتراكى ليدرج عليه أولا الموضوعات التى يرغبها الاتحاد الاشتراكى أولا ثم تأتى بعد ذلك الموضوعات التى يرغب مجلس الأمة فى مناقشتها.
مجلس الشعب
مع تولى الرئيس محمد أنور السادات الحكم دعا مجلس الأمة فى 20 مايو 1971 لإعداد الدستور الدائم وعرضه على الشعب فى الاستفتاء ليظهر دستور مصر الدائم 1971 وبموجبه أصبح مجلس الشعب هو عماد السلطة التشريعية، وفى ظله جرت انتخابات مجلس الشعب الذى عقد أولى جلساته فى 11 نوفمبر 1971 وهو أول مجلس يستكمل مدته الدستورية وهى خمس سنوات كاملة.
وبعدها جاء برلمان 1976 الذى تنافست على مقاعده المنابر السياسية حديثة النشأة آنذاك موزعة بين منبر اليمين ومنبر اليسار ومنبر الوسط بالإضافة إلى المستقلين وهو البرلمان الذى تم حله فى عام 1978 بناء على استفتاء شعبى لجأت إليه القيادة السياسية، وأجريت انتخابات 1979 وبمقتضاها تشكل البرلمان الذى أكمل مدته الدستورية بعد اغتيال الرئيس السادات وتولى الرئيس مبارك السلطة فى عام 1981 وهو الذى رشح مبارك لتولى الرئاسة.
وتميزت فترة الرئيس السادات باستمرار ذات السمات فيما يخص السلطة التشريعية من حيث هيمنة السلطة التنفيذية عليها وأن زادت درجة الاستقرار المؤسسى بعض الشىء مع استكمال المجالس فى الأغلب لمدتها الدستورية.
مجلس الشورى
تم إنشاء مجلس الشورى، فى عام 1980، وفقا لتعديل دستورى ويمكن اعتباره مجلس حكماء حيث شمل فى عضويته عددا من رؤساء الوزارات والوزراء السابقين بالإضافة إلى خبرات علمية وتنفيذية متعددة مما كان يضفى على مناقشاته قدرا من الموضوعية وساعد على إكساب المجلس صفة التمثيلية الرمزية وجود ممثلين للأحزاب السياسية غير الممثلة فى مجلس الشعب .
وقد أُثيرت فى أكثر من مناسبة مسألة الوضع الدستورى لمجلس الشورى وضرورة منحه دورا تشريعيا أوسع من خلال تعديل نصوص المادتين 194 و195 من دستور 1971 بحيث يمنح اختصاصات مقاربة لتلك التى يمارسها مجلس الشعب وهو ما تحقق فى التعديلات الدستورية عام 2007 بحيث أصبح من الواجب عرض مشروعات القوانين المكملة للدستور على مجلس الشورى تجنبا لشبهة عدم الدستورية.
برلمانات الثمانينيات والتسعينيات
شهدت الفترة من 1981 وحتى 2010 سبعة انتخابات برلمانية فى أعوام 1984، 1987، 1990، 1995، 2000، 2005، 2010 ولم يكمل برلمان 1984 مدته الدستورية حيث أُجريت الانتخابات فيه بنظام القائمة الحزبية بمقتضى القانون رقم 14 لسنة 1983 وهو النظام الذى حرم المستقلين – أى غير المنتمين إلى أحزاب سياسية، من الترشح للبرلمان وهو ما يخالف مبدأ المساواة بين المواطنين كمبدأ دستورى مما دفع رئيس الجمهورية تنفيذا لحكم المحكمة الدستورية إلى إجراء استفتاء لحل مجلس الشعب وإصدر القانون رقم 188 لسنة 1986 الذى علً فيه نظام الانتخاب بحيث تم الجمع بين نظامى الفردى والقائمة.
وجاء برلمان 1987 بناء على نظام انتخابى جمع بين القوائم الانتخابية وعدد من المقاعد خصصت للمستقلين 48 مقعدا وشهد هذا البرلمان ظاهرة انضمام المستقلين بعد فوزهم إلى أحد الأحزاب خاصة الحزب الوطنى وهو ما يمكن اعتباره نوعا من الخداع السياسى للناخب، وكان مصيرهذا البرلمان كسابقة حيث تم حله نظرا لعدم التكافؤ فى الفرص بين المستقلين والقوائم الحزبية كما قضت بذلك المحكمة الدستورية العليا، ثم انتظمت الانتخابات التشريعية التالية ومن بعدها المجالس النيابية التى جاءت بمقتضى النظام الفردى فتشكلت البرلمانات وأكملت مدتها الدستورية لمدة 5 سنوات بدء من عام 1990 وحتى 2010 وهو ما يعنى من ناحية درجة ما من الاستقرار المؤسسى والتشريعى حيث يتيح الفرصة كاملة للنواب لمناقشة مشروعات القوانين ويفترض إصدارها بطريقة ديمقراطية وتحقق الصالح العام، كما شهدت الانتخابات اعتبارا من عام 2000 الإشراف القضائى الكامل على العملية الانتخابية بما يعنى قاضٍ لكل صندوق ضمانا لنزاهة العملية الانتخابية وإن شابها أعمال عنف وشراء أصوات بل وتزوير فج وصل إلى مداه فى انتخابات برلمان 2010 الذى لم تتح فيه الفرصة لقوى المعارضة إطلاقا واستحوذ الحزب الوطنى على كل مقاعد فى سابقة تاريخية كانت بمثابة الباعث على قيام ثورة يناير.
25 يناير والبرلمان:
عقب 25 يناير جرى تعديل قانون انتخاب مجلسى الشعب والشورى رقم 38 لسنة 1972 ليصبح انتخاب ثلثى أعضاء مجلس الشعب بنظام القوائم الحزبية المغلقة والثلث الآخر بالنظام الفردى، كما أصبح عدد أعضاء المجلس وفقا لتلك التعديلات 498 عضوا يختارون بطريق الانتخاب المباشر السرى العام على أن يكون نصفهم على الأقل من العمال والفلاحين، فضلا على 10 نواب على الأكثر يجوز لرئيس الجمهورية تعيينهم، وأُجريت الانتخابات ليتم حل البرلمان بناء على حكم المحكمة الدستورية بعدم دستورية النظام الانتخابى نظرا لإهداره مبدأ تكافؤ الفرص بسبب مزاحمة الحزبيين للمستقلين وعدم وجود فرصة مماثلة للمستقلين على مقاعد القائمة.
مجلس النواب
بناء على التعديلات الدستورية التى أعقبت ثورة 30 يونيو ألغى مجلس الشورى، وعادت أمور التشريع لغرفة واحدة منتخبة تحت اسم مجلس النواب، ويُشكل مجلس نواب من 567 عضوا، منهم 540 عضوا ينتخبون الاقتراع السرى المباشر بالجمع بين نظامى الفردى والقائمة المغلقة المطلقة وذلك بنسبة 77.5% للفردى و22.5% للقائمة مع جواز أن يعين رئيس الجمهورية ما لا يزيد على 5% من أعضائه أى 27 عضوا.
أهم المشكلات الموروثة التى تواجه المؤسسة التشريعية :
تراجع رصيد العمل البرلمانى فى نظر قطاعات شعبية ليست بالقليلة ، وهذه بعض المؤشرات:
- عدم التوازن لسنوات طويلة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية فى مصر وغلبة الأخيرة على الأولى وهو ما تمثل فى مجموع مشروعات القوانين التى تقدم من الحكومة مقابل عدد مشروعات القوانين المقدمة من النواب بالإضافة إلى حالة من التداخل التى كانت تسمح بتحول الوزراء إلى نواب مخالفة للأعراف المتواترة فى النظام البرلمانى حيث يصبح النائب وزيرا إذا حاز حزبه الأغلبية داخل البرلمان وتولى تشكيل الحكومة.
- غياب القدرة على ممارسة البرلمان لدوره الرقابى فى مساءلة الحكومة عبر أدوات الرقابة المختلفة نظرا لهيمنة حزب بعينه وهو الحزب الوطنى المنحل على أغلبية المقاعد عبر آليات متعددة تتجاوز بالطبع القوانين الانتخابية إلى استخدام المال السياسى والعنف والتزوير فى كثير من الأحيان.
- غياب الدور الرئيسى للبرلمان فى سن تشريعات تتسم بالديمقراطية سواء من حيث بنودها أو طريقة إصدارها بالنظر إلى غياب معايير الديمقراطية والتنافس الكفء لوصول النواب إلى مقاعدهم حيث اتسمت التشريعات فى غالب الأمور بالانحياز إلى فئة على حساب باقى فئات المجتمع وهو ما يعنى أيضا فشل البرلمان فى أداء وظيفته – بمفهوم المخالفة – فى منع استصدار تشريعات لا تحقق الصالح العام.
- غياب السياسة لسنوات عن البرلمان بالنظر لغياب الكفاءات والكوادر المدربة داخل الأحزاب القائمة آنذاك والتى وصفت بأنها أحزاب كرتونية تؤدى دور المعارضة الشكلية وفقدان هذه الأخيرة التواصل مع الشارع وهو ما انعكس على تركيبة البرلمان سواء من حيث عدد المستقلين غير المنتمين إلى أحزاب أو سيطرة حزب مهيمن كبير وهو الحزب الوطنى الديمقراطى المنحل على مقاليد الأمور آنذاك بحكم تماهيه مع الدولة واستخدام إمكانياتها فى مختلف المعارك الانتخابية وهو ما جعل أعدادا من المستقلين يفرون إليه بعد الفوز بمقاعدهم وهو ما مثل حالة من الخداع السياسى للناخبين وأثر على صورة البرلمان وجدواه.
- فجوة عدم الثقة القائمة بين النائب البرلمانى والناخبين بسبب عدم قدرتهم على مساءلته بعد انتخابه وغيابه عن أهالى الدائرة بحيث لا يظهر إلا مع كل انتخاب جديد وهو ما يجعل الناخب فى شكوك دائمة فى جدوى الاختيار ووجود برلمان من أساسه.
- استمرار ثقافة العصبيات والعنف والعائلات وتزييف الوعى باسم الدين واستخدام المال السياسى كأدوات أساسية فى العملية الانتخابية بحيث تزيد من عدم ثقة الناخب فى قدرته على إحداث التغيير مع استخدام هذا الأدوات فى المستقبل القريب.
- غياب معايير بديلة للاختيار بين المتنافسين تسمح بإحداث التغيير المطلوب بوصول وجوه مستجدة تتسم بالكفاءة كمعيار أساسى للتمييز بينهم وبين غيرهم بدلا من الوجوه التى تعتمد على المال أو العصبية أو العنف وهوما ينعكس على تشكيلة أعضاء البرلمان بحيث لا تصل الكفاءات بقدرما يصل أصحاب السطوة والنفوذ ويدعم ذلك عدم وجود قوانين رادعة لتطبيق عقوبات على المخالفين لسقف الدعاية فى حدها الأقصى بحيث أصبحت الغلبة للمال ورجال الأعمال.
- تآكل المكانة المعنوية والأدبية لعضو البرلمان بسبب فضائح عدد من النواب، فى قضايا فساد وغيرها علاوة على ممارسات تتنافى مع أصول العمل البرلمانى أو حتى انتشار ظاهرة الغياب عن أعمال البرلمان وجلساته، وبالتالى اهتزاز صورة البرلمان ككل، وخصوصا على المستوى الإعلامى.
- الصورة الذهنية المرتبطة بنائب الخدمات الذى يكون أساس اختياره هو قدرته على تقديم خدمات لأبناء دائرته تجعله أقرب إلى موظف المحليات منه كنائب يتولى مهمتى التشريع والرقابة وهى الصورة التى أفرغت معنى نائب الأمة من محتواه.
- عدم دستورية بعض القوانين المنظمة للعملية الانتخابية مما عرض البرلمان أكثر من مرة للحل وهو ما يؤشر إلى تعثر العملية السياسية والمسار الديمقراطى وعدم وفاء المؤسسة التشريعية بدورها فى مناقشة التشريعات الكفيلة بتحسين أحوال المجتمع وتحقيق الصالح العام وهو ما حدث فى برلمانات 1984، 1987، 2012 على سبيل المثال حيث تم الجمع بين نظامى الفردى والقائمة بصورة أخلت بمبدأ تكافؤ الفرص وهو مبدأ دستورى أظهر عدم اتساق هذه النظم المختلطة معه ووجب حل المجلس تنفيذا لقاعدة أن ما بنى على باطل فهو باطل .
- خطورة التحولات الاقتصادية والاتصالية المعاصرة، وعجز البرلمان فى فترات مختلفة عن المشاركة فى إحداث وتوجيه تلك التحولات من خلال نقاش جاد وموضوعى لهذه التحولات عبر نوابه، فيما يتجاوز المصادقة على قوانين الاستثمار والخصخصة واقتصاد السوق.
- درجة عالية من السيولة الطبقية إذا جاز التعبير، طرحت التساؤل حول مدى تمثيل البرلمان للقوى والتوازنات الاجتماعية المتغيرة، ومسألة التمثيل العادل للفئات الاجتماعية المتعددة "العمرية والمهنية والنوعية" فى المؤسسة التشريعية مقارنة بالوزن النسبى الكبير لرجال الأعمال.
- غياب الشفافية فى نقل وقائع جلسات البرلمان بصورة حية تمكن المواطنين من متابعة نوابهم وممثليهم فى النقاش والحوار والدفاع عن مصالح الأمة كمعيار حاكم ومهم سواء من ناحية تكريس الديمقراطية فى إطار العلاقة بين الدولة والمجتمع أو فى إعادة انتخاب هؤلاء النواب فى مرات تالية أو العدول عن ذلك.
- عدم الأخذ بالأساليب الحديثة فى التصويت كنظام التصويت الإلكترونى أثناء مناقشة مشروعات القوانين المختلفة والاعتماد على الأساليب التقليدية التى حملت فى جانب منها نوعا من التلاعب وعدم الثقة فى حساب الأصوات المؤيدة والمعارضة.
- الحاجة إلى مزيد من التدريب والتأهيل لموظفى لجان البرلمان كجهات معاونة للنواب فى طرح الموضوعات محل النقاش.
- الرغبة الشعبية الجارفة خاصة عقب ثورتى يناير ويونيو فى إحداث تغيير فى الحياة السياسية المصرية، يمس أول ما يمس الحياة الحزبية وينعكس على هيكل البرلمان باعتبار الأحزاب هى الكيانات المتنافسة على مقاعد المجلس النيابى.
مجلس النواب 2020 بين الفردى والقائمة الوطنية الموحدة :
يأتى انتخاب مجلس النواب 2020 من خلال الجمع بين نظامى الفردى والقائمة المغلقة المطلقة مناصفة بحيث ينتخب المواطن نصف عدد أعضاء المجلس عن طريق التنافس الفردى بين المرشحين الذين يجدون فى أنفسهم الكفاءة وتنطبق عليهم الشروط، ويشهد هذا النظام العديد من السلبيات الموروثة ارتباطا بحالة العنف أو العصبية العائلية أو استخدام المال وغيرها وإن كانت هى الطريقة الأكثر شيوعا لدى الناخب المصرى، فيما يتم انتخاب النصف الآخر عبر نظام المفاصلة بين القوائم دون اختيار أشخاص فهى قوائم مغلقة وتفوز القائمة بأكملها حين تحوز على أكثر من نصف عدد الأصوات بصوت واحد لأنها قائمة مطلقة.
ويكتشف المتابع أن الجهود جمعت بين العديد من الأحزاب التى وضعت ما أطلق عليه القائمة الوطنية الموحدة – على غرار ماحدث فى انتخابات مجلس الشيوخ – التى تضم أحزابا مختلفى الأطياف والرؤى يجمع بينهم غاية الوصول إلى مقاعد البرلمان عبر توزيع المقاعد دون تحديد معيار واضح لهذا التوزيع سواء ارتبط بالقواعد الشعبية فى الشارع أو حجم العضوية أو التقارب الفكرى أو غيره من المعايير التى يمكن الاستناد إليها فى مثل هذه الائتلافات الانتخابية.
ومن الإنصاف الإشارة إلى أن مثل هذه القوائم تمثل توجها إيجابيا شريطة أن تؤدى فى الأجل المنظور إلى اندماج الأحزاب المتقاربة فكريا والقضاء على حالة التشرذم الحزبى التى يشهدها المجتمع المصرى بحيث تعبر الأحزاب المندمجة عن مصالح قطاعات شعبية متبلورة بدلا من الحالة الشائعة التى يغيب فيها تمثيل المصالح الشعبية لدى غالبية الأحزاب ويحل محلها المصالح الشخصية الضيقة.
ومن الإنصاف أيضا الإشارة إلى أن تكوين مثل تلك القوائم يسمح بالتدقيق فى اختيار العناصر المنضمة ويوفر أرضية جيدة للكفاءات والخبرات – إذا كان ذلك هو معيار الاختيار - وهو ما يسد المنافذ أمام المتاجرين بالدين أو المتلاعبين بعوز ومشاعر الناخبين لصالح الأفضل وهو ما ينعكس إيجابا على تشكيل مجلس النواب، فالاختيار سيكون بين الأفضل والأفضل منه وليس كما كان سابقا بين السيىء والأسوأ.
ومن الإنصاف أيضا الإشارة إلى ضرورة تعدد القوائم المتنافسة، فتجربة مجلس الشيوخ تستحق أن يعاد النظر فيها، خاصة وإن نسب المشاركة تتأثر حتما بأعداد المتنافسين، فالقائمة الوطنية الموحدة مقبولة كنقطة بدء يتلوها خطوات، لكنها لا يمكن أن تكون الشكل الوحيد لانتخابات تنافسية حقيقية تحث على المشاركة وتقديم الأفضل لدى كل متنافس.
إن الرهان عظيم على تشكيل مجلس النواب الجديد باعتباره أحد عناصر منظومة متكاملة تحقق حلم شعب وعزيمة قائد فى دولة مؤسسات عصرية ومجتمع متحضر .. فهل نكسب الرهان ؟؟؟