الدكتور حسن سلامة
ضبط المفهوم
وإذا كان قد تم الاتفاق على أهمية هذا المفهوم انطلاقا من أهمية غايته وهى تحقيق الاستقرار النسبى والاستمرارية الفعالة، فإن حيوية النظام السياسى تشير إلى قدرته الدائمة بمؤسساته ومكوناته المختلفة على تحقيق التواصل الفعال بين الحاكم والمحكوم عبر قنوات شتى تتسم بالتجدد فى الأفكار والأشخاص.
هى تلك القدرة الدائمة على إيجاد بيئة مناسبة لتبادل ألأفكار والتجاوب معها والاستفادة من إيجابياتها وتصويب سلبياتها، إن أمكن.
هى تلك القدرة الدائمة على إنتاج سياسات إشباعية مبتكرة ومستجيبة توافق مستجدات وتطورات المجتمع وتحوز رضاه "النسبى".
هى شبكة العلاقات المؤسسية التى تتجاوز الأشخاص لصالح المجموع، فوجود المؤسسات الفاعلة وتوزيع الأدوار فيما بينها يعكس نوعا من حيوية النظام السياسى.
مضامين حيوية النظام السياسى
• حوكمة المؤسسات السياسية، فالأصل أن يبنى النظام السياسى على وجود مؤسسات ذات أدوار ووظائف محددة وفى مقدمتها السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية وتحقيق التوازن المطلوب فيما بينها دون أن تجور إحداها على الأخرى، مع تكريس المؤسسية التى تشير الى استمرارية المؤسسات ووظائفها –مع مراعاة التجديد- رغم اختلاف الأشخاص أو غيابهم، فالأصل ليس فى مجرد وجود كيانات، وإنما أداء هذه الكيانات وفق رؤية تتوافق ووظائفها من ناحية ومتطلبات وجودها مجتمعيا من ناحية ثانية مما يجعل استمرايتها عنصر مؤثرا لوصفها بالمؤسسة، فليس كل كيان قائم هو مؤسسة بالمعنى العلمى/ الواقعى، ويزيد على ذلك ضرورة حوكمة المؤسسات، فلا يكفى أن يكون أداؤها فاعلا فحسب وإنما لابد أن يرتبط أداؤها ايضا بالعديد من المؤشرات ذات الصلة بتطبيق القانون والمساءلة وافساح مجال المشاركة وغيرها من مؤشرات الحوكمة.
• طبقة وسطى متسعة ومتماسكة تستطيع تقديم المساندة والدعم وتنعكس عليها آثار السياسات العامة باعتبارها تمثل القطاع الأوسع من المواطنين المتفاعلين مع الشأن العام، فالطبقة الوسطى أكبر من غيرها، ولها مصلحة فى استمرار ودوام النظام السياسى، كما ترتبط مصالحها كذلك بمستقبله، ومن ثم فهى تساعد فى بنائه وحمايته والحفاظ عليه، والاستقرار الملحوظ فى الدول المتقدمة يعود فى جزء كبير منه إلى اتساع وانتشار هذه الطبقة بمن تضمهم من مهنيين وخبراء وفنيين ومبدعين ومخترعين،كما أن مظاهر عدم الاستقرار فى الدول الأخرى يمكن إرجاعها إلى اندثار هذه الطبقة.
• النزاهة والشفافية وهو ما يرتبط بقدرة النظام السياسى –مؤسسات رسمية وغير رسمية ومواطنين- على مكافحة الفساد وسد منافذه ومنع الترويج له تحت أى مسببات، فتزايد معدلات الشفافية مقابل تراجع معدلات الفساد "الفردى/ المؤسسى" يعكس مزيدا من الاستقرار النسبى للنظام ويضفى عليه الحيوية الدائمة من خلال الحفاظ على مصالح السواد الاعظم من المواطنين.
• شبكة اتصال فعالة تستقبل المطالب وتعيد إرسالها بموضوعية وأمانة، من أسفل إلى أعلى وتروج للقرارات والقوانين والسياسات العامة الصادرة من أعلى إلى أسفل عبر حملات احترافية مهنية، بما يعزز الاقتناع الشعبى بأهميتها لصالح المواطن ووجوب الالتزام بضوابطها التى هى فى صالح الوطن والمواطن.
• مجال عام مفتوح لكافة التيارات والاختلافات على ارضية وطنية يسمح بالنقد البناء ويجدد الدماء، ويوفر حلولا متنوعة لمشكلات الوطن والمواطن دون تناحر على مصالح ضيقة، ويؤهل البيئة لخلق كوادر وطنية متعددة الرؤى يكمل بعضها بعضا.
• إحياء دولة القانون، فتطبيق القانون على الجميع يوفر أساسا متينا لاستقرار مجتمعى حقيقى فيما يؤدى الاستثناء والمحاباة الى توترات قد تفضى إلى نزع الحيوية الايجابية وتحويلها الى طاقة فوضى تحت مبررات مزعومة للحصول على الحق المسلوب.
اليات تحقيق الحيوية للنظام السياسى:
• مراعاة السياسات العامة المطبقة للاحتياجات المجتمعية والاستجابة لها على قاعدة التخصيص الامثل للموارد لصالح القطاع الأوسع من المواطنين "الطبقة الوسطى"، فما يسمى بالتوزيع السلطوى للقيم، كما يعرف علم السياسة، والذى يحدد من يحصل على ماذا متى وكيف وكلما اتسع نطاق المستفيدين من السياسات العامة كلما اتسعت قاعدة الاستقرار وزادت حيوية النظام وشرعيته، فيما لو اختصت السياسات العامة فئات بعينها باتت الحيوية والشرعية والاستقرار على المحك، فالحيوية هى ظاهرة شعبية بامتياز وليست فئوية.
• تعدد أجهزة مكافحة الفساد على كافة المستويات ونشر ثقافة هذه المكافحة وخلق الوعى المجتمعى بأدوار المؤسسات والمواطنين عبر استراتيجيات وطنية، ومعاهد تعليمية، ومفوضيات مستقلة لسد منافذه والترويج للنتائج المتحققة فى هذا المجال مما يعزز مصداقية النظام ويكرس حيويته وشرعيته.
• وجود مؤسسات مجتمعية فاعلة وكفء تنافس داخل المجال السياسى وعلى أرضية وطنية "أحزاب سياسية" تفهم أدوارها ووظائفها وذلك عبر قوانين انتخابات وهيئات إشرافية مستقلة تدعم التنافس الحر وتكفل النزاهة والشفافية.
• تطبيق المساءلة عبر المؤسسات المختلفة لا سيما الرقابة البرلمانية على أداء السلطة التنفيذية وهو ما يستلزم اختيارا مناسبا لنواب الشعب ليمثل التعبير الحقيقى عن الأمة فى مقابل معايير منضبطة لاختيار التنفيذيين.
• أجهزة محلية وقنوات اتصال معلوماتية تمثل جسرا بين المواطن العادى والسلطات صاحبة القرار وتبقى على حيوية العلاقة بين الطرفين حتى لا يصيبها الجمود.
• فتح المجال أمام القطاع الثالث "المجتمع المدنى " بوصفه شريكا فاعلا فى عملية التنمية وقادرا على التعبير عن الاحتياجات المجتمعية خاصة فى المستويات القاعدية دون التهاون فى ضوابط العمل اتساقا مع المصلحة الوطنية.
• أذرع إعلامية مهنية تنقل الرسالة بموضوعية عبر الايجابيات والسلبيات مع مراعاة بناء قدراتها باستمرار مواكبة للمستجدات والمتغيرات الديموجرافية داخل المجتمع، وفى ضوء الدور المتزايد والمهم لوسائل التواصل الاجتماعى، والذى يتوجه مباشرةً إلى الشباب، وهم الفئة المؤثرة على درجة حيوية النظام السياسى، يصير من المهم تطوير ومساندة الإعلام الوطنى والاستثمار فيه؛ ففى الدول الكبرى والديمقراطية، لا زال يوجد إعلام وطنى إعلام دولة أو إعلام الخدمة العامة الذى تستثمر فيه الحكومات على اعتبار أنه يقدم المعلومة والخبر بصورة محايدة وموضوعية أكثر من وسائل الإعلام الأخرى التى قد يسيطر عليها الربحية.
• تبنى رؤية وطنية مستقبلية للتنمية والتطوير تعتمد المعرفة والعلم أساسا وتنطلق من وضع سيناريوهات متعددة تستشرف المستقبل عبر قراءة موضوعية للواقع بقوته وضعفه.
ويبقى كثير من المضامين والآليات التى يمكن أن تكون مجالا لمقالات قادمة باذن الله ولكن الأهم هو التأكيد على أمرين أساسيين: أولهما أن البحث عن الحيوية والاستقرار بات هدفا للعديد من الأنظمة السياسية لضمان استمراريتها فى خطط البناء والتنمية والثانى هو تفاوت التطبيق بين الانظمة السياسية فى اتباع العديد من الإجراءات التى تكرس حيويتها وتضمن استقرارها النسبى، وكلما اقتربت الأنظمة من الممارسات الإيجابية كلما زاد مؤشر الحيوية لصالح النظام بمكوناته المتعددة.