الدكتور حسن سلامة
قد تستدعى الإجابة على هذا السؤال الذى يمثل محور المقال النظر عبر عدة مستويات..
المستوى الأول: هو طريقة ترشيح ووصول النواب إلى مقاعدهم داخل البرلمان
المستوى الثانى: هو مستوى التفاعل بين النواب داخل البرلمان
المستوى الثالث: هو محتوى التشريع الصادر وارتباطه بالمصالح عامة أم فئوية
ومع قدر من التفصيل والتدبر فى المستويات الثلاثة قد تتجلى لنا الإجابة بسهولة لتحدد خارطة طريق قابلة للنقاش حولها تعزز كفاءة سلطات الدولة ومن بينها السلطة التشريعية، وتعزز الثقة بين المواطنين وممثليهم.
أولًا: فيما يتعلق بطرق الترشح ووصول النواب إلى مقاعدهم داخل البرلمان
يرتبط هذا المستوى بالعديد من الامور ذات الصلة بطريقة إدارة الأحزاب لشئونها عبر أساليب الديمقراطية الداخلية أو الانفراد بالقرار، فكلما كانت الأحزاب – وهى الكيانات الأساسية التى يناط بها التنافس السياسى - أكثر قدرة على الالتزام بالديمقراطية الداخلية فى التفاعل بين أعضائها والسماح بالحوار والمحاججة وتبادل الآراء وأكثر قدرة على وضع معايير الكفاءة والأهلية للمناصب المختلفة، كلما كانت اختيارات الترشح اكثر موضوعية، والعكس صحيح فالاعتماد على الصلات العائلية فقط أو القدرة المالية فقط، ومحاباة المعارف والأصدقاء فقط دون اعتبار لكفاءة أو تاريخ مهنى أو سيرة ذاتية قد تصل بنا إلى نتيجة محتومة وهى وصول غير الأكفاء إلى مقاعد لم يستحقوها.
وتتصل الديمقراطية الداخلية فى الاحزاب بطريقة تداول السلطة فاختيار رئيس الحزب عبر انتخابات حرة دورية مؤشر على طريقة التفاعل داخل هذا الكيان وكلما تكرست فكرة تداول السلطة تحرك الحزب نحو المزيد من المؤسسية التى تجعل منه كيانا مستقلا عن الاشخاص مرتبطا بالقواعد والمسارات التى تجعله مستمرا قادرا على تجاوز العقبات والتكيف مع المستجدات.
إن هذه الممارسة الحزبية وثيقة الصلة بفهم قيادات وأعضاء الأحزاب لأدوارهم ووظائفهم واهمها التنشئة على السياسة عبر الأساليب الديمقراطية التى تجعل من الأفراد كوادر قابلة للتجنيد السياسى والترشح لأى مناصب بدلا من بعض الصور السلبية التى قد نشهدها قرب كل انتخابات ونلاحظ فيها سعى الأحزاب إلى استقطاب عناصر خارجية لغياب كوادرها المؤهلة أو ربما يحجم الحزب نهائيا عن الترشح لذات السبب.
إن التنافس السياسى الحزبى عبر أطياف مختلفة قد تتنوع فى طرق الحل لكنها تتفق على الأهداف والمرجعيات يعزز من صورة الديمقراطية المرغوبة والعكس صحيح فالتماهى والتطابق والتقارب المصلحى فى بوتقة واحدة دون تمييز واضح فقد يصل إلى مشهد المنافسة الغائبة والنتائج المحسومة.
وفى حال كون المرشحين مستقلين قد تبدو أهمية طريقة إدارة المنافسة السياسية بداية من القوانين المنظمة التى تحقق المساواة وتتيح الفرص لكل من تنطبق عليه الشروط لخوض المعركة الانتخابية مع وضوح أساليب الطعن أو التظلم، مرورا بالتزام المتنافسين بقواعد التنافس السلمى التى تتجاوز حرمات الحياة الشخصية وتركز على مقومات الأداء وأوجه القصور فيه سواء كان الأداء السابق أو المتوقع من النائب المحتمل. فالتزام الجميع بعرض أجنداتهم التشريعية وفهمهم لمحتواها مع ما يميز كل اجندة محتملة من لون سياسى معين قد يختلف فى الوسيلة لكنهم جميعا على أرضية وطنية واحدة يؤدى إلى أسس موضوعية للاختيار قد تضمن المقعد للأكفأ.. وهنا يصبح وثيق الصلة بما سبق مناخ العملية الانتخابية وبيئتها وكلما توافرت الضمانات لانتخابات حرة ونزيهة، كلما كانت نسب المشاركة أعلى والاختيارات أفضل.
ومع التسليم بأن الانتخابات وما قد يصاحبها من إجراءات ليست شرطا كافيا – وإن كان ضروريا - لوصول الكفاءات إلا أن الالتزام بالقواعد الديمقراطية فى الترشح والتنافس قد تحفز الناخبين على المشاركة و تحد من نسب وصول غير الأكفاء إلى مقاعد البرلمان.
ولكى يكون التشريع ديمقراطيا لابد أن تكون طريقة وصول النائب الذى يتولى مهمة التشريع ديمقراطية تعتمد أسسا موضوعية فى الاختيار وتتأسس على فكرة مفادها أن الديمقراطية أسلوب حياة وليست مجرد إجراءات.
ثانيًا: مستوى التفاعل بين النواب داخل البرلمان
يرتبط هذا المستوى بسابقه بصلة وثيقة، فثمة قناعة مفادها أنه لا ديمقراطية بدون ديمقراطيين، فلا يمكن تصور ان يكون التفاعل والحوار والنقاش داخل البرلمان مثمرا وعلى أسس من التسامح وقبول الآخر إلا إذا كان النواب المنتمون إلى هذا المجلس قد تمت تنشئتهم على الديمقراطية، ومن ثم تكون المحصلة النهائية نقاشا راقيا يعتمد المعلومة والحقائق أساسا.
وفى هذه الحالة يتعين أن يلتزم النواب الأعضاء بأمرين اساسيين..
الأول، هو اللائحة الداخلية لمجلس النواب التى تحدد الإجراءات والقواعد المنظمة للعمل داخل المجلس ووظائف الرئيس والوكيلين واللجان النوعية وغيرها فى إطار قانونى واضح يضمن تنسيق الأدوار وتحقيق الهدف وهو الخروج بمنتج تشريعى ديمقراطي، فاحترام قواعد المداخلات وأسلوب الكلام والتفكير فيما يقال والإعداد المسبق حول الموضوعات والنقاش الهادىء اسس مطلوبة، علاوة على كونها جزء من مهمة رئيس المجلس فى ضمان استيعاب كافة الأراء والتوجهات وإتاحة الفرص للجميع للتعبير والنقاش.
أما الأمر الثانى فيرتبط بما يطلق عليه مدونة السلوك البرلمانى والتى تتضمن ايضا قواعد تفاعل النواب مع الرئيس ومع بعضهم البعض وكيفية أدائهم لأدوارهم ويوجد العديد من البرلمانات التى تضم مدونات سلوك واقدمها بالطبع البرلمان البريطاني، وكم يحتاج مجلس النواب إلى استصدار مدونة سلوك فى مجاراة حتمية لتعزيز شكل مؤسسية وحوكمة السلطة التشريعية. فالمدونة المقترحة خطوة مهمة لضمان أن يكون التشريع الصادر ديمقراطيا لأنها تعزز من فرص الحوار البناء واحترام الآخرين والسلوك الراقى الذى يعكس أهلية النواب لمناصبهم كممثلين عن الشعب.
كلا المستويين يثيران الاهتمام بمسألة حتمية تأهيل المرشح وتأهيل النائب للمهام الموكلة إليه، فأحد الاشتراطات المهمة التى يقترح إضافتها إلى القوانين المنظمة للترشح أن يجتاز المرشح دورة تأهيل تتضمن مجموعة من المعارف الدستورية والقانونية علاوة على المهارات ذات الصلة بالتحدث والاقناع والتفاوض والجدل المثمر فكلها مهارات اساسية لمخاطبة الناخبين.
وكذا النواب الجدد يمكن اقناعهم بالانضمام إلى دورات تأهيل مشابهة تتضمن فوق كل ذلك الفهم الكامل لأدوارهم التمثيلية والتشريعية والرقابية والمعرفة بمجال التشريع ومساراته وأدوات الرقابة البرلمانية مثل طلب الإحاطة والسؤال والاستجواب وسحب الثقة وكيفية استخدامها -وكلها أدوات شديدة الأهمية – تحتاج أكفاء فى الاستخدام لضمان التنفيذ الكف للقوانين الصادرة وإلا فاستخدام هذه الأدوات فى غير مواضعها أو إهمالها يؤديان إلى غير الهدف المطلوب.
إذن لكى يكن التشريع ديمقراطيا لابد أن تكون بيئة التفاعل داخل البرلمان ديمقراطية يحترم فيها كل عضو نظيره ويعتمدان معا الحوار البناء وصولا إلى تشريع ديمقراطى يستجيب للاحتياجات المجتمعية.
ثالثًا: محتوى التشريع الصادر وارتباطه بالمصالح عامة أم فئوية
يرتبط هذا المستوى بمضمون التشريع الصادر وما إذا كان مهيئا لمناخ ديمقراطى أم العكس فكلما كان التشريع الصادر يفتح الباب أمام المشاركة المجتمعية – بضوابط – كلما كان مقبولا عند التنفيذ. وكلما كان التشريع الصادر يحقق المصلحة العامة كلما كان ديمقراطيا، فالأصل فى التشريع أن يكون عاما مجردا مراعيا لمصالح المخاطبين بأحكامه. وكلما كان التشريع للصالح العام مانعا فئة من أن تجور على حقوق باقى الفئات، كلما كان ديمقراطيا، فالكل أمام القانون سواء حسب القاعدة الدستورية ومخالفتها عند صناعة التشريعات تستوجب المراجعة.
وهنا نشير إلى أن مهمة النائب فى البرلمان ليست فقط هى استصدار التشريع الديمقراطى وإنما أيضا منع استصدار تشريعات غير ديمقراطية لصالح فئة على حساب المجموع، فالفهم الكامل لأدوار النائب يصب فى النهاية لصالح المنتج المطلوب وهو التشريع الديمقراطي.
وفى هذا الإطار يثور الحديث حول الحوار المجتمعى الذى يتعين أن يسبق التشريعات، فليست جلسات الاستماع واستدعاء الخبراء وحدها – على أهميتها - هى الشروط التى تفضى إلى مضمون ديمقراطى للتشريع المزمع بل يتعين اتساع دائرة النقاش خاصة إذا كان تشريعا يمس القطاع الأكبر من المواطنين. فالعودة إلى سنة الحوار المجتمعى شرط اساسى لضمان محتوى أكثر ديمقراطية كما يمثل خطوة حقيقية على طريق التمكين المشترك لكل من الدولة والمجتمع، فالجميع فى قارب واحد وفى مسار واحد متفق عليه او كلما كان متفقا عليه كان افضل.
وترتبط هذه النقطة على وجه الخصوص باعتماد أدوات لقياس الراى المجتمعى باعتبارها لازمة لكى يكون المحتوى أكثر ديمقراطية يتوافق ومتطلبات المجتمع ويتماشى ومستجداته.
ولا يمكن أن نختتم هذ المقال دون الإشارة إلى حتمية قياس أثر التشريع، فالتشريع الديمقراطى يشهد التزاما وتجاوبا معه والعكس صحيح إذ يهجره المواطنون حين لا يوافق متطلباتهم ويبحثون عن طرق ملتوية للالتفاف عليه مما يفتح الباب أمام فساد محتمل. إن قياس الأثر ليس هدفا فى حد ذاته وإنما هو وسيلة للتطوير والاستجابة وكلما كان القانون مرنا سهل التفاعل مع الحاجات المجتمعية كلما كان أفضل. ولا يعنى ما سبق أن التعديل المتكرروالسريع للتشريعات هو من علامات صحة التشريع، فالتوازن مطلوب بين إحكام الصياغة الديمقراطية واستيعاب متطلبات المجتمع دون إغلاق الباب أمام المستجدات.
إذن لكى يكون التشريع ديمقراطيا لابد أن يكون محتواه مقبولا مجتمعيا يراعى المتطلبات ويأخذ فى الاعتبار وجهات النظر عبر حوار مجتمعى واسع النطاق على اساس معلومات شفافة ومتاحة تسمح بتكوين الرأى وصولا إلى سلطة تشريعية كفء ومجتمع فعال.