الدكتور حسن سلامة
وقد عرفت مصرالحديثة تجربة الانتخابات البرلمانية للمرة الأولى منذ أكثر من مائة وخمسين عامًا وتحديدًا فى عام 1866 مع انتخاب أول برلمان حمل اسم مجلس شورى النواب أو مجلس شورى القوانين.
وتوالت انتخابات البرلمان عبر السنين ومارس خلالها المواطنون حقهم فى الاختيار وجاء الاختيار سليمًا أحيانًا وخاطئًا أحيانًا لكنه بقى حقًا يمارس وواجبًا يؤدى.
وتشهد مصر على مدار الفترة الحالية العديد من الفعاليات الانتخابية، بدأت بانتخابات الغرفة الثانية للبرلمان بعد استحداثها وهى مجلس الشيوخ.. وها نحن نمر بتجربة انتخاب مجلس نواب جديد على جولتين.
وعادة ما يثور التساؤل فى كل مرة عن أهمية الانتخاب والمشاركة وجدواها، وهو ما يدفعنا إلى استعراض النقاط التالية..
أولا.. فى معنى الانتخاب وتطوره التاريخى
الانتخاب لغة تشير إلى معنى الاختيار ما بين متعدد، فأنت تنتخب أى تختار ما تراه مناسبا من وجهة نظرك وفى علم السياسة يشير الانتخاب إلى ذلك الإجراء الذى يمارس من خلاله المواطنون "من تنطبق عليهم الشروط" إرادتهم فى اختيار حكامهم أو نوابهم من بين عدة مرشحين، ويشار هنا إلى أن بعض الوظائف مثل الضباط والقضاة قد يكونون – بحكم الوظيفة - خارج الهيئة الناخبة.
وقد ظهر مفهوم الانتخاب مع تزايد أعداد السكان، وقصور المكان والزمان عن استيعاب هذه الأعداد الكبيرة، فالأصل أن الديمقراطية المباشرة التى يمارس المواطنون من خلالها حقهم فى النقاش وعرض الأفكار واختيار الحلول المناسبة، كانت ترتبط بالأعداد القليلة من السكان التى يستوعبها المكان، ويتحمل كل مشارك الآخر ويسمع رأيه، كما ارتبط هذه النوع من الديمقراطية بحصر حقوق المواطنة على أعداد محدودة فيما كان الباقون عبيدًا.
تطورت فكرة المواطنة وتطورت معها فكرة الانتخاب عبر الديمقراطية التمثيلية بحيث تم تقسيم المواطنين الى مجموعات، وتختار كل مجموعة من يمثلها. وهكذا ارتبطت فكرة الانتخاب/ الاختيار بالديمقراطية التمثيلية حيث ينوب المختارون عمن اختيارهم فى نقل الآراء ومناقشتها والتوصل الى حلول.
ثانيًا فى مضمون الانتخاب
- الانتخاب حق:
فلكل مواطن بلغ سن الرشد السياسى وفق القانون ممارسة حق الاختيار فى كل الاستحقاقات التى يدعى إليها ومن هنا يتم تطبيق مبدأ الاقتراع العام أى مساهمة جميع المواطنين فى عملية الانتخاب.
- الانتخاب وظيفة اجتماعية:
مفادها أن حق الانتخاب ليس مكفولا لكل المواطنين وإنما هو حق مكفول لشخصية معنوية مستقلة عن الأفراد الطبيعييين تسمى الأمة، وأن الأشخاص الذين يمارسون عملية التصويت والانتخاب إنما يؤدون وظيفة نيابة عن الأمة. فهم يطبقون مبدأ السيادة للأمة بدلا من السيادة للشعب.
- الانتخاب سلطة قانونية:
يذهب البعض إلى أن الانتخاب ليس حقا مكفولا لكل المواطنين ولا هو سلطة قانونية تمارسها مجموعة نيابة عن الأمة بل إنه سلطة قانونية مستمدة من الدستور والقانون، ويتم تنظيم تلك السلطة من أجل إشراك كافة المواطنين فى عملية الاختيار.
- الانتخابات واجب:
كل مواطن يحمل جنسية بلاده يصبح واجبا عليه المشاركة فى الشأن العام ومن ثم فإن القول بأن من حق الناخب الامتناع عن التصويت لأنه حق يمارسه أو لا يمارسه، مردود عليه لأنه اصبح واجبا عليه المشاركة بحكم الانتماء الى وطن.
خصائص الانتخابات الديمقراطية
- هى انتخابات عامة مباشرة يشترك فيها جميع المواطنين الذين تنطبق عليهم الشروط بأنفسهم فيما عدا المحرومون بحكم القانون لطبيعة وظائفهم أو عدم أهليتهم العقلية.
- تنبنى على قاعدة المساواة، فلكل مواطن صوت واحد متساو مع غيره من المواطنين لا تمييز بسبب النوع أو السن أو الثروة.
- تتأسس على قاعدة سرية الإدلاء بالأصوات حتى يستطيع كل مواطن إتمام عملية الاختيار دون التعرض لمضايقات أو ضغوط وهنا لا بد من أن تتوافر مقومات السرية من تواجد سواتر فى لجان الانتخاب وحماية البطاقات من احتمالات التلاعب فيها.
- هى انتخابات دورية تجرى كل فترة زمنية محددة يتم خلالها تداول وتبادل الأماكن بين الأفراد والمجموعات تبعا للاختيار الشعبى.
- هى انتخابات نزيهة لا تشهد تدخلا من السلطات التى تدير العملية الانتخابية فى تفاعلاتها ولا تشهد انحيازا لصالح مرشح على حساب مرشح آخر، بل تشهد مساواة فى كافة الإجراءات خاصة أوقات الدعاية والتفاعل مع الناخبين بين كل المرشحين علاوة على قانون انتخابى عادل وتسجيل شفاف للناخبين.
كيف ننتخب؟
هو ليس سؤالا بقدر ما نسعى من خلاله إلى تحديد ملامح أساسية لكيفية اختيار المرشح خاصة مع ما يتذرع به بعض الناخبين من عدم معرفتهم بالمرشحين أو صعوبة التعرف عليهم أو التمييز بينهم.
لا بد من الإشارة الى أن مهمة حقيقية تقع على عاتق الناخب تتمثل فى ضرورة البحث والتقصى عن السير الذاتية للمرشحين ومعرفة أدوارهم وقدراتهم ودراسة ما قد يعرضونه من اجندات تشريعية فى مقابل ذلك الجهد الذى يتعين أن يبذله المرشح لكى يصل الى ناخبيه ويحاول بمهارات التواصل والاقناع والصدق أن يجتذب أكبر عدد منهم.
الاختيار للأكفأ وليس لصاحب المال أو النفوذ.. تلك حقيقة ثابتة ينبغى أن تكون هى الحاكمة فى الاختيار، فالكفاءة مطلوبة ومستمرة ومناسبة لطبيعة العمل ومن ثم فهى المعيار الأكثر أهمية.
صحيح قد تشهد الانتخابات فى مصر أو غيرها تجاوزات من بعض المرشحين أو استغلال لحالة العوز الاقتصادى للناخب أو عمليات شراء أصوات بطريقة أو بأخرى وهو ما يستلزم أن يواجهه الناخب باحترامه لذاته، بإدراكه لقيمته، بشعوره الداخلى أن صوته غير قابل للبيع لأن صوته قادر على التغيير.. صوت واحد يفصل بين الفائز والخاسر.
ولكى تكتمل الصورة ينبغى أن يقتنع المرشح أن المعيار الحقيقى لنجاحه هو كفاءته وليس ملاءته المالية أو استغلاله لمهارات التواصل فى إقناع / خداع الناخبين.
فلكى ننتخب لا بد أن يغير كل من الناخب والمرشح ثقافته، وأن يدرك كل منهما أن الانتخابات هى أداة حقيقية لتعزيز الديمقراطية.