أحمد محمود
كان الأستاذ عبدالوهاب مطاوع على قدر تواضعه مهيبًا، وكان حين يدخل إلى مقر مجلة الشباب، يصمت الجميع وتسكن الحركة، وكأن الأرض توقفت عن الدوران، فى انتظار أن يمرق إلى غرفة مكتبه، لبدء سهرة من العمل الشاق لإعداد المجلة الشهيرة، وكان على قدر هذه الهيبة، يبدى قدر كبير من الاحترام والتوقير لتلاميذه، فى إيقاع للعمل شديد الصرامة، أما الراحلة آمال زكى مديرة مكتبه وكاتمة أسراره، فكانت صديقة للجميع، لكنها تكاد لا تتحدث أبدًا، حتى بالإخبار عن موعد وصول رئيس التحرير.
كانت صالة التحرير تتحول من خلية نحل فى أثناء العمل، إلى محراب صامت حين يدلف الراحل الأستاذ إبراهيم نافع لانعقاد اجتماع التحرير، فلا يجرؤ أى شخص مهما كان موقعه أو عمله، أن يمر من خلال صالة التحرير، ناهيك عن إصدار صوت أوهمس فى الممرات المحيطة بها فى أثناء انعقاد الاجتماع، وكان ذلك من أجل أن يدرك الجميع هيبة العمل الصحفى، وضرورة التركيز على ما سوف يتم إدراجه فى الصحيفة الأكبر والأوسع انتشارًا، كان الجميع يدرك قيمة العمل والصمت واحترام الآخر.
لا أذكر أننى رأيت الأستاذ سلامة أحمد سلامة، ابتسم مرة فى أثناء مباشرة مهامه كمدير للتحرير، كان كاتب عمود من طراز رفيع، وكان معروفًا عنه الدقة والمهنية الشديدة كمدير للتحرير، ولم يكن وحده، بل امتلأ الأهرام الذى عرفته متدربًا فى بداية التسعينيات، بعمالقة الصحفيين رجالًا من أمثال الأساتذة محمد باشا، ومحمد زايد، وإحسان بكر وفرحات حسام الدين ومحمد عيسى الشرقاوى وغيرهم، ونساء من أمثال سناء البيسى، وماجدة مهنى، وإيناس نور وغيرهن، وكانت الصحيفة اليومية يتخطى توزيعها فى بعض الأيام، حاجز المليون نسخة بسبب محتوى الجريدة المتميز.
حين أردت التعرف على مبنى الإذاعة والتليفزيون بماسبيرو، ذهبت إلى الأستاذ الكبير حمدى الكنيسى، ولم يكن يعرفنى أو رآنى من قبل، أخبرته أننى متدرب فى مجلة الشباب، وأرغب فى التعرف على مبنى الإذاعة والتليفزيون، وأننى أريد أن أظفر بتحقيقات من هناك، فما كان منه إلا أن استصدر لى تصريحًا للدخول لمدة أسبوع، ما سمح لى خلال تلك الفترة بزيارة هذا الصرح الكبير، والتعرف على قنواته المختلفة، وكانت آنذاك 3 قنوات فقط، التقيت خلال تلك الزيارات بأساتذة كبار، أذكر منهم المذيع أحمد مختار.
كانت البرامج فى التليفزيون مليئة بالثقافة والعلوم، وكانت الصحف مليئة بالأخبار والتحقيقات الجادة المثيرة، كنا نتعلم من الأساتذة الكبار، وكانوا يدفعوننا للنجاح دفعًا، أما الناس فكانوا يتعلمون من هذه الصحف ومن قنوات التليفزيون المصرى، الكثير من الثقافة والرقى، كانت هذه هى مهنة الصحافة والإعلام، مهنة جادة وثرية، مهنة راقية، تضفى على صاحبها الكثير من الهيبة والنجومية، التى لم يسعٍ إليها هؤلاء العمالقة، عن طريق مواقع التواصل الاجتماعى، بل حصلوا عليها باحترام الناس لهم، واقتناع الناس بما يقدمونه وانجذابهم لما يناقشونه من قضايا.
كان هذا هو عالم الصحافة والإعلام الذى عرفته منذ 30 عاما، عالم ملئ بالاحترام والرقى والتعاون بين الزملاء، عالم لا يقبل الملاسنات أو المشاحنات، عالم يبحث فيه الجميع عن أخبار حقيقية مثيرة، وتحقيقات مهنية جادة مفيدة، وحوارات مهمة وغير مفبركة، ومقالات جادة عميقة تثرى الحياة العامة بمضامينها، والأهم سلوك راقٍ، يخلو من السوقية والابتذال لدى جميع العاملين به.