البث المباشر الراديو 9090
أحمد محمود
قوى الظلام هو مصطلح يشار به إلى تلك القوى التى تنشط خفية فى المجتمعات البشرية، و تسعى للإبقاء على تلك المجتمعات فى حالة ظلام دامس، ظلام يمنعها من رؤية الحقيقة واكتساب العلوم والمعرفة، ذلك أن تلك القوى تجد فى نشر الجهل والشائعات والفتن تربة خصبة لتنمو وتزدهر.

والحقيقة أن هذه القوى انتشرت على مر العصور، وفى جميع أنحاء العالم، وعرفتها أعظم الإمبراطوريات، لكنها ولحسن الحظ، لم تمنع البشرية من التطور والازدهار، ولم يثبت على مر التاريخ أن قوى الظلام تلك، انتصرت بشكل حاسم على قيم الإنسانية، بل إن المجتمعات البشرية، عادة ما تتخلص من تلك القوى أثناء تطورها، لكن المؤسف أن تلك القوى تظهر من جديد فى كل زمان، ومكان تماما كفيروس كورونا اللعين.

هذه القوى قد تتخذ أشكالًا عديدة، منها مثلاً أن تكون على هيئة جماعات طائفية، مستغلة سطوة وقدسية الاعتقاد لدى البشر، وهى فى سبيل ذلك تتحصن بالأديان، وتحرص على أن يظل خطاب هذه الأديان، غير قابل للنقد أو للتجديد، وبحيث تتمكن من جمع أتباع منصاعين لها، لا يثيرون الكثير من التساؤلات، لكى تستمر سطوة تلك القوى عليهم، وتمكنهم من تنفيذ مآربهم، والتى عادة ما تكون مرتبطة بالمال والنفوذ.

قد تتخفى تلك القوى أيضًا فى صورة جماعات سياسية متطرفة، وغالبًا ما تصطبغ بصبغة يمينية متشددة، تقاوم التطور العلمى والفكرى، والانفتاح على الثقافات المختلفة، وتتمسك بالمناهج القديمة ذات النسق المحافظ، هذه الجماعات المتشددة، تتفنن فى إفساد محاولات التطور المستمرة، مستغلين رهبة الإنسان من اكتشاف المجهول والخوف من التجديد.

وعادة ما تتمثل هذه القوى فى صورة أفراد يثيرون الفتن، وهم يدّعون أنهم يناصرون الحرية والتطور، ومع ذلك ينشرون التشاؤم، خصوصا فى المجتمعات الفقيرة، أو فى المؤسسات العلمية والتعليمية، وهم يفعلون ذلك فى كثير من الأحيان دون وعى منهم، إذ أن وقوعهم تحت سطوة أفكار الجماعات المتطرفة، سواء كانت جماعات سياسية أو دينية، يجعلهم يرددون ما تطلقه هذه الجماعات من أفكار تدعو للرجعية، والتطرف والخوف من التجديد، بل واكتشاف آفاق العلوم الحديثة المختلفة.

هذه القوى تجد أرضًا خصبة فى محيط العمل أيضًا، إذ تتغذى على الشعور باليأس والإحباط، خاصة فى المؤسسات المثقلة بالديون، ويستغلها أفراد تلك القوى، فى دفع النابهين بعيدًا عن العمل وعن مواقع القيادة، بل وقد تزين لهم الرحيل خارج تلك المؤسسات، وهم بذلك يحققون مكاسب ضيقة، بسبب انصراف تلك المؤسسات عن التطوير والتحديث، وهم بذلك يضمنون أن لا يتم الاستغناء عنهم، بل وأن يظلون مختفين خلف الدفاتر العتيقة، دون أن ينتبه إليهم أحد، حتى وهم يبثون سمومهم وفسادهم.

إذا صادفت عزيزى القارئ أحد أفراد قوى الظلام، فاحرص على أن تتجنبه فورًا، تمامًا كما تتجنب حامل فيروس كورونا اللعين، خوفًا من أن تصاب به، وكما أن العالم يسعى الآن لاكتشاف مصل مضاد لفيروس كورونا وترياق له، أنصحك أن تتحصن بالتفاؤل وبكل ما تحمله من طاقة إيجابية، ومن قدرة على مقاومة تأثير أعضاء قوى الظلام، لكن الطاقة الإيجابية وحدها قد لا تكفى لمقاومة هذه القوى الشريرة، ولذلك يجب عليك أن تتحصن أيضًا، بالفكر والثقافة والقدرة على التسامح، والأهم الرغبة فى النجاح والتطور.

وأخيرًا، أعتقد أن العالم سوف ينجو من قوى الظلام بسهولة، فالتطور التقنى فى السنوات القليلة الماضية، قطع شوطًا هائلا فى مسار التقدم، لأن العلوم والثقافة والفكر المستنير، أصبح كل منهم متاحًا للجميع، عبر شبكات الإنترنت، لكن من المهم أن يتعلم الناس، كيف يستزيدون من العلم النافع والثقافة المفيدة، وأن ينبذوا تيارات الفكر المتشدد، وأن يتسلحوا بسماحة الفكر وحرية المعتقد، وأن يمتلكوا القدرة على الحوار البنّاء وقبول الآخر، والأهم مقارعة الحجة بالحجة، ونبذ العنف حتى بواسطة الكلمات.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز