البث المباشر الراديو 9090
الدكتور حسن سلامة
يقع البرنامج الانتخابى للمرشحين فى عصب العملية الانتخابية على اختلاف أنواعها، سواء ارتبطت بانتخابات الرئاسة أو المسؤولين التنفيذيين أو انتخابات البرلمان.

فهذا البرنامج بما يشير إليه من خطط مستقبلية يتعهد المرشح بتنفيذها عقب الفوز يمثل – أو هكذا ينبغى أن يكون – معيارا حاكما للاختيار إلى جانب معايير أخرى بالتأكيد ومنها حسن السمعة والخبرة والكفاءة المرتبطة بالقدرة على تنفيذ تلك التعهدات.

وكثيرا ما يلجأ المرشحون إلى صياغة برامج أو تقديم تعهدات قد تفوق قدراتهم – وإن كانت تعكس طموحهم اللامحدود – فى محاولة لاجتذاب الأصوات أو مخاطبة المشاعر قبل العقول أو استغلال الظرف الاقتصادى / الاجتماعى للناخبين دون أن يكون هناك التزام بتنفيذ تلك التعهدات بعد الفوز، سوى الثقة المفترضة بين الناخب والمرشح.

وتظهر أهمية البرامج الانتخابية فى كافة أشكال الترشح سواء كانت النظام الفردى أو نظام القائمة لا سيما القائمة المغلقة، مع فارق بسيط هو أن النظام الأول (الفردى) يعتمد بدرجة كبيرة على العلاقة المباشرة بين الناخب والمرشح وسابق الخبرات والتفاعل بينهما، فيما يعتمد النظام الثانى (القائمة المغلقة) على نجاح هذا الكيان – بصرف النظر عن أفراده – فى الترويج لتلك التعهدات والاعتماد على القدرة المؤسسية لا الفردية فى تنفيذها.

وعلى الرغم من تكرار الانتخابات عبر التاريخ المصرى، قد لا يلقى الناخب بالا لقراءة متأنية لمثل تلك البرامج إلى الحد الذى وصل ببعض المرشحين إلى عدم تقديم برامج مكتفيا بمجموعة من الشعارات الرنانة أو العبارات الملفتة دون أن يكون لها نصيب من التنفيذ.

إن ما نسعى إليه من حوكمة العملية الانتخابية لا يرتبط فقط بالترتيبات المؤسسية من توفير البيئة اللازمة للانتخاب – على أهميتها – بقدر ما يرتبط بمحاولة تطوير ثقافة الانتخاب لدى المواطن المصرى وتصويب معايير الاختبار فى اتجاه الكفاءة بعيدا عن العصبية والعائلية أو الخضوع لضغوطات المال الانتخابى.

كيف نقرأ البرنامج الانتخابى؟

كل الدعوات المنادية بوضع معايير موضوعية لاختيار المسؤولين سواء كانوا مشرعين أو تنفيذيين من قبل الشعب قد تواجه أحيانا بردود مفادها كيف نضع هذه المعايير؟ ولهذا نسعى عبر هذا المقال إلى وضع إطار لأحد أهم تلك المعايير وهو كيفية قراءة البرنامج الانتخابى؟

إن البحث والتقصى وبذل الجهد مطلوب من كل من الناخب والمرشح لكل يصل كل منهما إلى الآخر، فالمرشح يحدد عبر حملته الانتخابية جمهوره المستهدف والناخب يبحث عن برنامج المرشحين ليفاضل بينهم وفق أسس ثابتة تتمثل فيما يلى:

عدد القضايا التى يتبناها المرشح فى برنامجه الانتخابى والتى تمس المصالح العامة، فكلما كان التركيز على قضية واحدة أو اثنتين كان أقرب إلى الصدق والموضوعية وإلى نبض من يرغب فى التعبير عنهم، فالعدد الكبير من القضايا قد يفوق قدرات المرشح ويفقده مصداقيته، أما العدد الأقل فيجعله فى الاتجاه الأقرب لناخبيه.

مدى ارتباط تلك القضايا بالواقع الذى يحياه الناخبون، فالقضايا الواقعية التى تمس حياة المواطنين ويمكن ترجمتها فى تشريعات أو سياسات اشباعية، هى الأقرب إلى الناخب من تلك التى تحلق فى السماء أو تخاطب المستقبل فقط، ولعل التوازن بين متطلبات الحاضر وتوقعات المستقبل يمثل قدرة وتفوقا لمرشح على آخر.

المدى الزمنى المرتبط بقابلية هذا البرنامج للتنفيذ وتوزيعه على سنوات تولى المنصب، فكلما كانت تلك التعهدات موزعة بعناية على فترات زمنية كلما كشف ذلك عن جدية المرشح من ناحية ورؤيته تجاه القضايا وأولوياتها من جهة أخرى، مما ييسر عملية الاختيار ليكون من نصيب من تتفق أولوياته مع أولويات جمهوره من الناخبين.

استبعاد تلك البرامج التى تميل إلى توظيف الدين أو استغلال حالة العوز الاقتصادى للمواطنين لصالح من يحترم صوت وعقل الناخبين باعتبارهم أصحاب السيادة فى الاختيار لا يمكن شراؤهم ولا شراء أصواتهم.

مدى تطابق تلك التعهدات التى يقدمها المرشح مع خبراته وقدراته وكفاءته لبيان ما إذا كانت ممكنة التنفيذ فى حال الفوز من عدمه.

التركيز على مضمون البرامج الانتخابية ومدى تنسيقها المنطقى دون إيلاء اهتمام كبير للنواحى الشكلية مثل نوع الورق المطبوع عليه البرنامج أو صور المرشحين أو غير ذلك.

إجراء المقارنات بين البرامج المختلفة دون الوقوع فى أسر برنامج معين، فربما تكشف المقارنات عن نقاط فارقة تغير اتجاه التصويت.

مدى القابلية للمحاسبة والمساءلة، فكلما كان البرنامج يحتوى آليات المحاسبة كلما كان المرشح أكثر موضوعية ومدركا لوظيفته ووقوعه تحت المجهر بعد تولى المنصب، وكلما أسهم ذلك فى تغيير ثقافة الانتخاب وإدراك الجميع بأن النائب الفائز لم يحصل على توكيل مطلق بأن يفعل ما يشاء بل هو خاضع للرقابة الشعبية حتى نهاية فترة توليه المنصب ليتم تقييمه فى حال إعادة ترشحه مرة أخرى.

مدى اقتران البرنامج الانتخابى بإقرارات الذمة المالية المعلنة للمرشحين من ناحية وإعلان مصادر تمويل برنامجه من ناحية أخرى.

إن تلك المعايير ربما لا تكون هى المعايير الوحيدة لكنها المعايير الأقرب إلى التطبيق على الأقل فى الوقت الراهن حتى نشهد تغييرا ملموسا فى تفاعل الناخب والمرشح بعيدا عن العصبية والعائلية أو الضغوط المالية وصولا إلى اختيارات موضوعية تراعى الكفاءة ومتطلبات المستقبل.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز