البث المباشر الراديو 9090
مريم عيد
منحدرات جبلية شاهقة تتشح بالخضار تقطعها وديان عميقة خصبة حيث تنبسط أشعة الشمس حتى تتلألأ على صفحة مياه شاطئ "كوباكابانا"، وغابات الأمازون الإستوائية الكثيفة التى تشكل أكثر من نصف الغابات المطيرة فى العالم تكسو أمريكا الجنوبية لتمهد بساطًا أخضر اللون لهذا الجزء من الكرة الأرضية، فالجبال والأنهار الجليدية العجيبة فى حديقة "لوس جلاسياريس" الوطنية بالأرجنتين.

قارة غنية بالثروات الطبيعية والبيئية، وشلالات وأنهار وبحيرات ومستنقعات وغابات وجبال تعكس ثراء تلك القارة متنوعة الموارد، والتنوع المناخى فى القارة الأكثر رطوبة والتى تضم صحراوات قليلة ولكنها الأكثر جفافًا فى العالم، والتنوع البيولوجى من الخنافس والضفادع إلى الثعالب والنسور واللاما والأناكوندا، وسلسلة جبال "الأنديز" تعبر القارة ممتدة من شمالها إلى جنوبها على أنغام التانجو والكرنفالات المبهجة زاهية الألوان، جمال الطبيعة ينعكس على تنوع البشر، وتناسق ملامح الكثيرات منهن لتكون ملكة جمال الكون للعديد من الأعوام من بين جميلات دويلات تلك القارة.

انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعى صورة "بيليه" نجم الكرة البرازيلى فى الستينيات، يضع باقة من الزهور منذ عدة أيام على قبر الراحل الأرجنتينى "مارادونا" فى "أيقونة كروية" تؤرخ لأسطورة كرة القدم فى أمريكا الجنوبية وفى أهم دولتين بها البرازيل والأرجنتين، وتضيف لثراء القارة ثراء بشريًا من نوعٍ خاص، والصورة وإن كانت مفبركة إلا أنها تعبر عن واقع كروى وإنسانى، وعن حقيقة مشاعر بيليه الذى تأسف لسماع نبأ وفاة مارادونا وأعرب أن العالم خسر "أسطورة".

نُقل جثمان دييجو مارادونا، إلى القصر الرئاسى للعاصمة الأرجنتينية "بيونس آيرس" ليلقى عليه الموطنون نظرة الوداع الأخيرة، وظلت حشود الجماهير فى الشوارع حتى وقت متأخر من الليل، ولا عجب فقد تمكن مارادونا من إسعاد الملايين حول العالم، فكيف يكون الحال مع الأرجنتينيين الذين حقق مارادونا لبلادهم انتصارات رائعة، وأسهم فى فوز الأرجنتين بكأس العالم فى 1986 بالمكسيك، كما كان هداف الدورى الإيطالى، ويُعد هدف مارادونا فى مرمى "إنجلترا"  فى ربع نهائى كأس العالم هو أفضل هدف فى تاريخ مسابقات كأس العالم، حيث اخترق كامل دفاع إنجلترا، وتصادف أن يكون يوم رحيل مارادونا هو نفس يوم رحيل الزعيم والرئيس الكوبى "فيدل كاسترو"، الأجواء تذكر بأغنية "Don’t Cry For me Argentina"  "لا تبكى من أجلى يا أرجنتين" من فيلم "إيفيتا" إنتاج 1996 من بطولة وغناء النجمة "مادونا" عن قصة حياة السيدة الأولى إيفا بيرون زوجة رئيس الأرجنتين السابق خوان بيرون، والتى دافعت عن حقوق الفقراء، وهى فى هذا تشبه مواطنها مارادونا الذى كان يوصى طيلة حياته وقبل موته بالفقراء.

لقد شهدت دول أمريكا الجنوبية من جانبٍ آخر، تحولات ديمقراطية فى أعقاب دكتاتوريات عسكرية، كما تجد بها اليمين واليسار يتداولان السلطة، وكان من اللافت للنظر أنه على الرغم من انهيار الأحزاب الماركسية والاشتراكية فى أوروبا إلا أن اليسار الراديكالى عاد فيما بعد إلى أغلب دول أمريكا الجنوبية، ثم عاد اليمين مرة أخرى، وتنبئ الأيام المقبلة بعودة اليسار مرة أخرى.

لكن مع كل هذا الحراك السياسى والتحول الديمقراطى تجد أنه من الجائز أن تستعين وتستغيث الشعوب بجيوشها كما فعلنا فى مصر، يتمثل ذلك فى المطالب المتزايدة فى كلاً من البرازيل وأراجواى بضرورة تدخل الجيش فى التصدى لعصابات الجريمة المنظمة.

كما جاءت دعوة قائد الجيش البوليفى للرئيس موراليس للتنحى معبرةً عن موجة احتجاجات قوية شهدتها البلاد مما أدى إلى تنحى موارليس بالفعل فى 2019، وأيضاً فى تشيلى التى اندلعت بها أعمال شغب وعنف، مما دفع الرئيس التشيلى إلى تكليف الجيش باستعادة الأمن والنظام، كما أن عودة الدور السياسى للجيش تمثلت فى وصول الرئيس اليمينى جايير بولسونارو للحكم فى البرازيل فى يناير 2019، والذى كان ضابطًا سابقًا، وشكل حكومته لتضم عددًا كبيرًا من العسكريين السابقين.

كل هذا التنوع المجتمعى انعكس بدوره على الأدب فأنتج "الواقعية السحرية" والتى نشأت فى أمريكا اللاتينية وارتبطت بآدابها كنمط ونموذج أدبى يمزج بين الواقع والخيال الفانتازي، أو عن طريق إضافة عنصر فانتازى إلى المشهد الواقعى، وكخصيصة أدبية تميز أدب فترة بعد الحداثة، كأن تصف على سبيل المثال فتاة ظلت تبكى بشدة حتى وصلت قطرات دموعها إلى شخصٍ ما فى بلدٍ بعيدٍ.

 الواقعية السحرية نمط مناسب للتعبير عن مكونات البيئة المحلية، وتعكس تنوع المجتمع، لكن لا ينبغى أن تُعرف فقط تبعًا لجغرافية ظهورها لأنها لاقت استحسانًا أدبيًا عالميًا، ففى حين يولى النقاد الكنديون اهتمامًا بظهور أعمال الواقعية السحرية كأمر يرتبط ارتباطًا لصيقًا باهتماماتهم الأصيلة بتعريف أنفسهم ثقافيًا ومكانيًا، لا يميل فى ذات الوقت المجتمع النقدى الأمريكى إلى استخدام مصطلح الواقعية السحرية على أعمال الأدب الأمريكى بل يفضلون استخدام المصطلح الأشمل والأعم "ما بعد الحداثة".

ومن أشهر الروايات المعبرة عن الواقعية السحرية "مائة عام من العزلة" للكاتب الكولومبى جابرييل جارسيا ماركيز الحاصل على جائزة نوبل للأدب فى 1982، ونُشرت روايته لأول مرة فى بيونس آيرس.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز