60 عاما مرت، وما زال "عم السيد" متمسكا بمهنته التى عفا عليها الزمن، ولم يتبق سواه يعمل فى سمكرة وإصلاح بوابير الجاز بمحافظة الدقهلية.
شغف ما زال يسيطر على صاحب الـ82 عاما تجاه صنعته التى تعلمها فى عقد عمره الثانى، نظرا لأهمية بابور الجاز الذى كان وسيلة الطهى والتدفئة الوحيدة فى كل المنازل قديما، إلا أن رياح التطور والتكنولوجيا أطاحت بها.
"سمكرى البوابير كان ليه شنة ورنة"، هكذا وصف عم السيد، مهنته التى اعتمد عليها فى تربية أبنائه الأربعة، ومع ظهور البوتجاز بدأت الاندثار وقل مكسبها، مما دفعه للعمل فى لحام أدوات الطهى بجانبها، لتوفير قوت يومه.
منضدة خشبية وبابور جاز مشتعلا ومطرقة وكمية من القصدير، أدوات بسيطة ما زال يعتمد عليها سمكرى البوابير فى إصلاح كل ما هو مصنوع من الصاج، رافضا الاستعانة بأى ماكينات كهربائية، ومتمسكا بعبق المهنة التراثية.
حتى يومنا هذا لم ينقطع عم السيد، عن فرشته يوما، يذهب صباحا وينتظر بلهفة زبائنه الذين يأتون إليه خصيصا مقابل قروش بسيطة، ويقضى الرجل الثمانينى ساعات ثقيلة، يهونها صوته العذب الذى يؤثر قلوب من يسمعه.
"العندليب" لقب أطلقه جيران عم السيد عليه، نظرا لعشقه للراحل عبدالحليم حافظ، ودندنته المستمرة بأغانيه التى ترسم الفرحة على وجهه الذى خطت عليه علامات الزمن، وتهون عليه شقاه وتعبه.
وعلى الرغم من أن زبون الباجور أصبح عملة نادرة، إلا أن عم السيد، يرفض الجلوس فى المنزل أو اعتزال المهنة التى أفنى بها عمره، وكافح خلالها بدون أى إمكانيات سوى منضدة خشبية مازالت شاهدة على الأصالة والخبرة.