البث المباشر الراديو 9090

في حلقة جديدة ومثيرة من برنامج "سيرة ومسيرة"، المذاع عبر موقع "مبتدا"، تساءل الإعلامي محمد جاد الله، لماذا لم تصدر شركة "أبل" بيانًا رسميًّا واحدًا تنفي فيه الشائعة الشهيرة التي تربط بين شعار "التفاحة المأكولة" وقصة انتحار عالم الحاسوب ألان تورنج، رغم معرفة الإدارة التامة بأن الأمر لا يتعدى كونه مصادفة محض؟

وقال إنه في عالم التسويق والتكنولوجيا، لم يكن ستيف جوبز مجرد رائد أعمال أو مهندس حواسيب، بل كان "الكاهن الأكبر" للترويج الفكري. أدرك جوبز مبكرًا أن التكنولوجيا الصماء، الخالية من العاطفة والدراما الإنسانية، لن تتمكن أبدًا من تحقيق أرباح بالمليارات؛ فالآلات بحاجة إلى "روح" لتُباع.

وأشار إلى تأثر جوبز بدراسته لـ "فلسفة الزن" البوذية وفنون الخط العربي والغربي؛ ومنها استوعب مفهوم "المساحة السلبية" أو الفراغ، وأن القيمة الحقيقية للشيء تكمن في المساحة المتروكة حوله. كانت "القطمة" في شعار التفاحة تجسيدًا لهذا الفراغ، تمامًا كالصمت الذي يمنح الصوت معناه وقيمته.

وأوضح أنه في سبعينيات القرن الماضي، عانى جوبز من "عقدة وجودية" تجاه هيئة التكنولوجيا السائدة. كانت الأجهزة صماء ومعقدة، تحتكرها المؤسسات الكبرى مثل "IBM" للتحكم في البيانات. أراد جوبز لـ "أبل" أن تكون النقيض التام: علامة متمردة، دافئة، وإنسانية. كان بحاجة إلى "قصة خَلق" تجعل العميل يشعر بأنه ينضم إلى ثورة فكرية، وليس مجرد مشترٍ لجهاز إلكتروني، وعندما قدّم المصمم روب جانوف الشعار الشهير بالتفاحة المأكولة، أُعجب به جوبز فورًا؛ لأنه عكس مفاهيم المعرفة والتمرد

وقال إنه في تسعينيات القرن الماضي، بدأت تتفشى قصة انتحار ألان تورنج عبر تناوله تفاحة مسمومة، وربط الرأي العام بين هذه المأساة وشعار "أبل"، هنا تجلت عبقرية جوبز التسويقيةوالتي يمكن وصفها بالمرعبة؛ إذ يقضي العرف التجاري بأن يخرج أي رئيس تنفيذي لنفي الشائعة وتوضيح الحقيقة، لكن جوبز اختار الغموض والتمسك بالصمت.

ولفت إلى أن جوبز أدرك أن الأسطورة تمنح الشعار وزنًا مأساويًا ونبلاً أخلاقيًا لا يُقدّر بمال. فعندما يحمل المستخدم جهاز "آيفون" أو "ماك"، لا يشعر بأنه يمسك قطعة من المعدن أو البلاستيك، بل يحس بأنه يحمل جزءًا من إرث عبقري مات مظلومًا، فلقد حوّل جوبز العلامة التجارية إلى ما يشبه "الديانة البصرية"؛ لها قديس وشهيد (تورنج)، ورمز مقدس (التفاحة)، واستغل هذه الدراما الإنسانية لتلميع صورة الشركة وتصويرها كحامية للمبدعين والمضطهدين ضد الأنظمة الصارمة، في الوقت الذي كانت تتشكل فيه "أبل" لتصبح واحدة من أكبر الكيانات الرأسمالية في التاريخ.

 

ظلت الأسطورة تتغذى على الصمت حتى واجه والتر إيزاكسون، كاتِب السيرة الذاتية لجوبز، السؤال بشكل مباشر: "هل يُعزى الشعار فعليًا إلى ألان تورنج؟" ابتسم جوبز ابتسامة ساخرة تحمل طابع الانتصار، وأجاب بعبارته الشهيرة:"يا إلهي، أتمنى لو كان هذا صحيحًا، ولكنه ليس كذلك."

كذّب جوبز الحقيقة العقلية لكنه انتصر للعاطفة؛ فقد علم أن هذا النفي الذكي الملتف سيزيد الأسطورة ترسيخًا في أذهان الجماهير بدلاً من إماتتها، فالجمهور يُفضّل دائمًا الدراما الإنسانية على الجفاف الهندسي.

لو أباد جوبز هذه الشائعة منذ يومها الأول، هل كانت "أبل" لتصل إلى هذه القيمة السوقية والاستثمارات المليارية التي تحظى بها اليوم؟ وهل كان لفتح صندوق أجهزة الـ "آيفون" ذلك السحر والهيبة؟