البث المباشر الراديو 9090

قال الكاتب هاني لبيب، رئيس تحرير موقع "مبتدا"، خلال حلقة جديدة من برنامجه "نقطة ومن أول السطر"، إنه في عالم السياسة، ليس كل تغيير في الخطاب يعكس تحولاً جذرياً في العقيدة والمنهج؛ إذ كثيراً ما تفرض الظروف سياقات جديدة تبدل التعبيرات مع بقاء الأفكار الصلبة على حالها، وبعد مرور نحو ثلاثة عقود على "مبادرة وقف العنف" التي أعلنتها قيادات الجماعة الإسلامية في مصر خلال يوليو 1997، لا تزال التساؤلات الجوهرية قائمة بشأن طبيعة تلك الخطوة وجدواها.

وأضاف رئيس تحرير "مبتدا"، أنه لم يعد التساؤل الرئيسي اليوم محصوراً في ملابسات نشأة المبادرة أو دورها الإجرائي في إنهاء الصدام المسلح مع الدولة والمجتمع، بل امتد إلى مساحة أكثر تعقيداً: هل مثلت تلك المراجعات تحولاً فكرياً وسياسياً شاملاً، أم أنها كانت مجرد مناورة لإعادة تسويق الجماعة أمام السلطة واستعادة مساحات للتأثير في الحياة السياسية والنخبوية؟

وأشار إلى أنه قاد هذه التجربة مجموعة من أبرز قيادات التيار الإسلامي آنذاك؛ وفي مقدمتهم أسامة حافظ وعاصم عبد الماجد، وبموافقة ومراجعة كل من كرم زُهدي، وعلي الشريف، وناجح إبراهيم، وعصام دربالة، وفؤاد الدواليبى، وحمدي عبد العظيم. وهي الأسماء التي تصدرت غلاف السلسلة الشهيرة الصادرة تحت عنوان «تصحيح المفاهيم»، والتي شملت إصدارات مثل: «مبادرة وقف العنف.. رؤية واقعية ونظرة شرعية»، و*«تسليط الأضواء على ما وقع في الجهاد من أخطاء»، و«حرمة الغلو في الدين وتكفير المسلمين»*، إضافة إلى «النصح والتبيين في تصحيح مفاهيم المحتسبين».

ولفت إلى أن تقييم المراجعات الفكرية لا يقاس ب لحظة إعلانها أو الترويج لها، وإنما يُختبر مدى صدقها في أوقات الأزمات والتحولات الكبرى، عندما تنتقل الأفكار من الإطار النظري إلى ممارسة التأثير الفعلي.

ونوه بأنه على الرغم من الأهمية العملية لمبادرة وقف العنف، إلا أنها لم تقدم إجابات حاسمة عن المضمون الفكري الحاكم لتيارات الإسلام السياسي. فتغيير الوسيلة لا يعني بالضرورة تراجعاً عن التصورات التأسيسية المتعلقة بالجهاد والحاكمية وتكفير المجتمع؛ إذ إن المراجعة الحقيقية لا تقف عند حدود "ما تم التخلي عنه"، بل تمتد إلى "ما تم تبنيه" كبديل فكري يحدد موقف هذه الجماعات من مفهوم الدولة الحديثة، والمواطنة، والتعددية، والعمل السياسي السلمي.

وأضاف أن التخلي عن العنف كأداة يمثل نتيجة إيجابية، لكنه ليس نهاية المطاف؛ كون الظاهرة لم تنشأ من فراغ، بل ارتبطت بتأويلات ذات مرجعية دينية حول الشرعية والسلطة والمجتمع. وإذا كانت تجربة السجون قد دفعت نحو صياغة هذه المراجعات، فإن تجربة التعامل مع السلطة وممارستها – ولو بصورة غير مباشرة – تبقى المحك الأكثر دقة لاختبار مدى مرونة هذه الأفكار وقدرتها على التكيف مع قواعد العمل السياسي والمؤسسي.

نقطة ومن أول السطر..

- المراجعات الفكرية الحقيقية ليست وثيقة تاريخية.

- واكنها مسار مستمر.. لا تثبته الكلمات وحدها؛ ولكنها بتتأكد مع مدى درجة تفاعلها مع المجتمع والقانون والدولة.

- لا يحكم التاريخ على الأفكار بما تروجه عن نفسها؛ وإنما بمدى تأثيرها عندما تمنح فرصة الاختبار الحقيقي والعملي.